الحقوق السياسية والمدنية لفلسطيني الشتات في مسودة مشروع الدستور الفلسطيني

27/1/2001

د. خليل الشقاقي: الموضوع هو حول الدستور والشتات، والدستور يتناول في مواد عديدة منه موضوع الشتات بطرق مختلفة، فيما يتعلق بموضوع حقوق الفلسطينيين بشكل عام. ومن قراءتي وجدت بأن الشتات معني في العديد من مواد الدستور كأفراد فلسطينيين لهم حقوق معينة. ففي إحدى المواد مثلا هناك نص يقول أن للفلسطينيين الحق في المناصب، فممكن أن يكون قائداً للجيش، معنى هذا أنه لو كان مثلاً هناك فلسطيني من سكان الزرقاء ويعمل مع المخابرات الأردنية فحسب هذا التعريف يمكن أن يكون أيضا قائداً للجيش الفلسطيني، ممكن أن أكون مخطئاً ولكن القصد هو طرح الموضوع للنقاش، فعند التركيز على موضوع الشتات في الدستور نجد أن هناك كثيراً من الأمور الموجودة في النصوص والتي لم نكن قد انتبهنا لها، فمثلاً في الحالة المطروحة سابقاً ماذا سيكون موقف الأردن، ولو أردنا في المجلس الوطني يمكن أن يكون رئيس المجلس الوطني هو أيضا مواطن أردني، وقرارات المجلس الوطني من المفروض أنها ملزمة لدولة فلسطين، فهل يكون هناك ازدواجية ولاء، وبالنسبة للأردن هل تقبل بذلك، ولو تم إعطاء المجلس الوطني صلاحيات هامة ملزمة فكيف سيراقب عليها، فليس هناك أي نص ينص على الكيفية التي سيراقب بها، وعلى العكس فإن النص الوحيد الذي يتحدث عن المراقبة نجد فيه تناقضا لأن المادة التي تنص على أن البرلمان هو الذي يصادق على السلطة تناقضه ثلاث أو أربع مواد أخرى تقول أن المجلس التشريعي هو الذي يصادق على الحكومة ومجلس الوزراء، ولا يوجد هناك أي طريقة واضحة ترى أن هذا المجلس الوطني لديه في الحقيقة وظيفة غير وظيفة تجميلية تزينية، ولكن النص يختلف. فماذا يحدث لو أخذ أحد النص وذهب به إلى محكمة دستورية إلى أين يصل، في موضوع الشتات أردنا أن نبين فقط أهمية الموضوع وخطورة الموضوع. وحاجتنا الكبيرة كلجنة دستور ولجنة صياغة إلى النظر في كل النصوص وكل بنود الدستور المتعلقة بموضوع الشتات والإجابة عليها من مجموعة من الزوايا، أولاً موضوع الحكم والديمقراطية في فلسطين هل ضمن هذا المنطق يمكن أن يكون هناك ديمقراطية. ثانياً موضوع الولاء المزدوج، وما إذا كنا نحن كفلسطينيين سنعطي للشتات الذي يحمل جنسية بلد أخرى حقوق كأن يكون منهم رئيس القضاة وهو مواطن في بلد أخرى، هل لكونه فلسطيني فقط أن يكون قائداً للجيش ورئيس القضاة وأن يرشح نفسه رئيساً للدولة، وفي نفس الوقت تصبح المشكلة خارجية مع دولة مثل الأردن مثلا، بأن يقول هؤلاء مواطنين في دولتي فلماذا ستمنحهم هذه الصلاحيات لديكم ويمكن خلق مشكلة للفلسطينيين في الأردن إذا كان النص قد تم تبنيه فعلاً  بهذا المعنى الذي نتحدث فيه الآن، هذا مسؤولية كبيرة للجنة صياغة الدستور ومهمة جداً، للتعرف على مواقف الشتات وليس مواقفنا نحن هنا فقط، الاجتماع بفلسطينيي الشتات وترى إذا كانوا يريدون هذا أم لا، هل هم يريدون أكثر من هذا أم ضده.

 

د. أحمد الخالدي: أشكر المركز الفلسطيني لهذا الجهد المتواصل الذي يعيننا في لجنة الدستور في استشراف مواطن الإشكاليات التي يمكن أن تحدث لتطبيق التصورات لنصوص المشروع الذي روعي فيه جانب عملي وجانب أكاديمي وجانب مقارن. لكن يظل جهد الإنسان محدوداً ولا يستطيع الإحاطة بكل ما يمكن أن يتصور الآخرين من إشكاليات قد تحدث عملياً أو تنتج عن فهم النصوص. فاللغة العربية (حمالة أوجه) وبالتالي يمكن ربما أن يفهم البعض النص بطريقة غير تلك التي يفهمها آخرون. ودائماً كان هدفنا من وراء اختيار الكلمات أن هناك ضوابطاً للتفسير متعارف عليها في القانون هي من كانت توجهنا وإن كان أحياناً المفهوم السائد بين غير المشتغلين في القانون أو بالعلوم السياسية ربما يفهم المصطلحات الدستورية أحياناً قد يفهم المصطلحات الدستورية من جانب سياسي أو اجتماعي مما يسبب إشكالية في فهم النص على حقيقة ما قصدناه.

 

سأركز الحديث وسأستمع أكثر مما سأتحدث، بداية أقول أن الدستور أصبح في هذا الزمن وخاصة في بلدان العالم وبصورة أخص البلدان الحديثة الاستقلال أو التي خضعت للاستعمار لفترات طويلة ضرورة ملحة لعدة جوانب، منها هذا الجانب الذي نتحدث فيه وهو الحقوق والحريات، الحقوق السياسية والمدنية ومنها سنتطرق للحقوق السياسية والمدنية لفلسطينيي الشتات. أصبح الدستور ضروري لأنه طول فترة الاحتلال والحكم عن طريق آخرين لم يخلق ثقافة قانونية حقوقية أن صح التعبير لدى كثيرين من شرائح الشعب الفلسطيني، وبالتالي يأتي الدستور ليقول للمواطن العادي هذا هو حجم الحقوق التي نقرها والتي لم تعتد على ممارستها في السابق، والتي كانت نظم واحتلالات سابقة تضغط باتجاه إما شطب هذه الحقوق أو تضييقها إلى أبعد حد ممكن خدمة لأهداف مختلفة.

 

هذه المسودة للدستور حاولنا فيها أن نراعي التوجه الحديث ديمقراطياً بمعنى المسيرة الديمقراطية للشعوب التي أصبحت تتنامى باتجاه توسيع المشاركة الجماهيرية في الحياة السياسية، وأصبح يقاس مدى ديمقراطية أي نظام للحكم بمدى المشاركة الشعبية عن طريق انخراط الأفراد والمواطنين كأفراد ومنظمات مجتمع مدني ومؤسسات رسمية وغير رسمية في المشاركة في الحياة السياسية عن طريق ممارسة الحقوق السياسية. في هذه المسودة حاولنا أن نراعي مجموعة من الاعتبارات فعمل الدستور ليس عملا بحتاً لوضع أفضل النصوص وأحسن العبارات لغوياً وقانونياً، فهناك مجموعة من العوامل السياسية الاجتماعية والاقتصادية، الموروث القانوني والدستوري، التجربة السابقة، الموروث خلال الفترة السابقة كيف كانت تمارس الحقوق، كل ذلك كان في الاعتبار لكن ليس من أجل ترسيخ ما هو قائم، بغض النظر عن ما إذا كان صالحاً أم طالحاً، وإنما من أجل الرقي بما هو قائم وصولاً إلى الهدف الأمثل الذي يحقق المصلحة العامة الفلسطينية.

 

حاولنا في هذه المسودة أن نتتبع أحدث ما صدر من دساتير بشأن تنظيمها للحقوق والحريات وكيف يمكن أن تنظم مشاركة مواطنيها سواء المقيمين منهم داخل الدولة أو خارجها، بالطبع مراعاة للخصوصية الفلسطينية التي نتجت عن أن من هم في الشتات لا يستطيعون العودة مجبرين وليسوا مختارين لهذا الموقع، لأن النظم السياسية المعتادة والتي ليست في مثل ظروفنا هناك وسائل يسيرة يمكن أن تتم لجعل هؤلاء المواطنين يمارسون حقوقهم سواء كانوا داخل الدولة أو خارجها، فمثلا الانتخابات الإسرائيلية لرئاسة الوزراء بدأ من منهم في الخارج منذ الأسبوع الماضي بممارسة حقهم في الانتخاب قبل أن تبدأ. هناك وسيلة في النظم المعتادة تمكن المواطن من أن يمارس بها حقه لكن الخصوصية الفلسطينية هي التي جعلتنا نختار بعض النصوص التي سأوضحها من خلال ما أثاره الدكتور خليل من تساؤلات يمكن أن يترتب عليها إشكاليات داخلية أو خارجية في تطبيق النص.

 

نعلم أن الدستور يراعي الواقع بمعنى أن هذه الدولة الوليدة إن صح التعبير تواجه أخطاراً داخلية وخارجية تحتاج إلى نوع من تركيز السلطات، ونحن نعلم الإشكالية بين السلطة والحرية، وهذه الإشكالية بين السلطة والحرية لها طابع إضافي خاص في المجتمع الفلسطيني بمعنى أن هذا الكيان الجديد الذي ينتقل من الثورة إلى الدولة أو من مجموعات ليست لها مرجعية واحدة  عملياً إلى محاولة مأسسة الدولة وإن تظهر الدولة كأنها الشخصية صاحبة السلطة العليا الوحيدة، أقول الوحيدة لأن أركان الدولة بالإضافة إلى الشعب والإقليم أن تكون في الدولة سلطة عليا وحيدة تخضع لها كل السلطات وكل الأطراف لا ينازعها أحد في شرعية وجودها وتنظيمها للحياة والحقوق والحريات. هذا الأمر لدينا ما زال يتبلور وما زلنا في شكل نوع من الحكم الأسري أو القبائلي أو الفصائلي لم يتبلور بعد إلى الإقرار عملياً بسلطة واحدة تحتكر قوة الإلزام، وتضع النظم التي من خلالها يمارس الأفراد حقوقهم وحياتهم. حاولنا في هذه المسودة أن نتوسع إلى حد كبير في إعادة الحقوق والحريات ومنها الحقوق والحريات السياسية المدنية. حاولنا عند وضع الدستور الأخذ باتجاه وسط توسع إلى حد في عدد النصوص التي تناولت الحقوق والحريات المدنية والسياسية لاعتبارين رئيسيين الأول: أن لدينا قدر من القوانين الموجودة في السابق ونحتاج إلى تطويرها وتغييرها. ولدينا أيضاً في المقابل أن الممارسة لهذه النصوص والتطبيق العملي قد يكون موافقاً للنص وقد يكون مخالفاً وبالتالي فإن الاقتران بين النص والتطبيق هو الذي يعطي الصورة المكتملة، فالتطبيق السابق لهذا الحجم من الحقوق والحريات التي سأشير إليها لاحقاً كيف كانت في الموروث الدستوري محددوة.

 

حاولنا أن نفصل قليلاً بمنهج وسطي عدداً من الحقوق والحريات، ولو استعرضنا الأحداث المختلفة لهذه الأنظمة الدستورية السابقة سنجد أن بينها اختلافا كبيرا. فمثلاً دستور عام 1952 الذي حكم الضفة والقدس الشرقية حتى عام 1967 سمح بطريقة أنه تضمن بعض القوانين التي كانت قد صدرت في عهد الانتداب، ولو استعرضنا في هذه القوانين حجم الحقوق والحريات وحجم المشاركة الشعبية في تلك النظم الدستورية سنجد أنها محدودة جداً لم تتجاوز مواد محدودة في هذا الأمر. دستور عام 1922 لم يرد فيه أي حديث عن الحريات، فهو جاء كما نعرف لتنفيذ مشروع استعماري لخلق وطن قومي لليهود في فلسطين، وبالتالي فهو أهدر الحق الأساسي للشعب وهو حق تقرير المصير الذي نصت عليه الاتفاقيات فيما بعد كحقوق أساسية للشعوب، أيضا الحقوق السياسية والمدنية لم يتعرض لها بل على العكس جعل المندوب السامي هو المشرع وشريك في السلطتين التشريعية والتنفيذية وأعطى صلاحيات أخذ الحقوق، كصلاحية تحويل طبيعة الأراضي العمومية إلى أراضي خاصة وأن يهبها أو يؤجرها لمن يشاء مثلا.

 

دستور عام 1952 الأردني جاء فيه حوالي 19 مادة تتحدث في مجال الحقوق والواجبات وكل ما نص عليه كان يقيده بطريقة أخرى. فمثلاً الحق في الحرية الشخصية ومنع الوقف والحبس وحرية الصحافة قارنها بأن يكون استعمال هذا الحق أو الحرية وفقا لأحكام القانون، حرية التعبير والرأي تكون في حدود القانون، الاجتماع وتكون الأحزاب ضمن القانون، وحرية المراسلات الخاصة هي وفق الأحوال التي يعينها القانون. من خلال هذا الوضع وكون الملك شريك في السلطة التشريعية بالتالي يستطيع أن يضع التشريعات والقيود كما يشاء على هذه الحقوق والواجبات. القانون الأساسي عام 1955 في قطاع غزة كان نوعا من بادرة نص على حقوق وحريات في حوالي ثماني مواد ونص على المساواة في هذه الحقوق، نص على الحرية الشخصية وعدم الطرد أو الحبس إلا وفق أحكام القانون، نص على حرية الإقامة والتنقل في حدود القانون، حرمة المسكن في حدود القانون، حرية الاعتقاد والفكر والإعراب عن الرأي والملكية الخاصة لا تنتزع إلا بقانون. النظام الدستوري لعام 1962 توسع قليلا بحيث جاءت 14 مادة من الحقوق العامة والواجبات، أضاف أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، كما أضاف حق توكيل محامي في الجنايات، وأضاف نص على أن العقوبة شخصية، وأضاف نص على حظر إيذا المتهم جسمانيا أو معنويا. مشروع القانون الأساسي توسع أيضا في اتجاه الحقوق والحريات حيث كان هناك حوالي 24 مادة تتحدث عن عدد كبير من الحقوق والحريات في مسودة مشروع الدستور توسعنا أكثر في وضع الأسس العامة للدولة والحقوق والحريات وكلها تتناول جوانباً عديدة من الحقوق والحريات المواد من 1-66 فيها جوانب عديدة من الحقوق والحريات التي تم تنظيمها في هذا المشروع والمتعلقة بكل الفلسطينيين بمن فيهم هؤلاء الفلسطينيين في الشتات وخارج فلسطين.

 

عادة ما ينص أي دستور في كافة الدساتير المقارنة على أن الشعب هو مصدر السلطات، إذن فإن كل فرد يحمل جنسية ويعتبر من أفراد الشعب يفترض أن له الحق السياسية والمدنية كاملة، لا إشكالية لدينا في الحقوق المدنية ولن تكون هناك إشكالية في ممارسة الحقوق المدنية لأي فلسطين الشتات سواء كان في موضوع زواج طلاق، ميراث ...الخ. إذا كان هنا تنازع في الاختصاص بين القواعد، نظام قانوني يقيم في الدولة التي يقيم فيها ونظام قانوني موجود لدينا فإن القانون الدولي الخاص قد تكفل في حل هذه الإشكالية من حيث ما يتعلق بالأهلية والميراث وكل القضايا التي تتعلق بالأحوال الشخصية عادة ما تسند إلى القانون الخاص. الإشكالية تنتج إذا ما كانت هناك ازدواجية في الجنسية، والحقوق السياسية في القانون أصبح هناك مجموعة من النظريات والقواعد حول ازدواجية في الجنسية والحقوق السياسية في القانون أصبح هناك مجموعة من النظريات والقواعد حول ازدواجية الجنسية، وأظن أن النص قد جاء واضحاً في مسودة مشروع الدستور بأن سمح بتعدد أو بازدواج الجنسية ولكنه وضع ضابطا  بأن المشاكل التي يمكن أن تترتب على ازدواج الجنسية تحل بقانون، فالقانون نظم ما يترتب على ازدواج الجنسية من مشاكل. في التطبيقات العملية في القوانين الدستورية المقارنة عادة يؤخذ بالجنسية الفعلية التي يمارسها الفرد، يمكن أن يصدر قانون يضبط مدى ممارسة أي فلسطيني موجود في خارج فلسطين لحقوقه السياسية داخل فلسطين، بمعنى أن كل النظم تنظر إلى المصلحة العليا للمجتمع في الدولة وتضع ضوابطاً بحيث أنه لا يسمح إذا ما تعارضت المصالح بين نظام سياسي ما ونظام سياسي آخر أو دولة أخرى يحمل جنسيتها المواطن. فإن الدولة ترجح القواعد التي تتعلق بجنسيتها هي بمعنى آخر القانون الذي يصدر لدينا وينظم ضوابطاً لممارسة حق الفلسطيني الذي يوجد في الشتات بأنه لا يتولى الوظائف السياسية إلا إذا، لا يتولى الوظائف القضائية إلا إذا، وضعت شروط يفترض أن تحترم، وإذا ما حدث تنازع في الاختصاص هناك ضوابط في قواعد القانون الدولي الخاص ينظم هذه الأمور.

 

هناك إشكالية ربما تنتج عن مواقف الدول التي يقيم فيها عدد من الفلسطينيين، ربما تنتج الإشكالية عن موقف سياسي أو موقف قانوني. ربما نلمس مظاهر هذه المواقف السياسية مثلا  موقف سوريا ولبنان والتمسك بحق العودة، هذا جيد ومفيد ونثمن مثل هذا الموقف كوسيلة ضاغطة ربما لكن هذا موقف سياسي. يبقى الموقف القانوني الذي نتحدث فيه الذي يتم عادة عن طريق عقد معاهدات ثنائية إذا ما وجدت في حالة ازدواجية الجنسية تنظم مثل هذه الأمور ويمكن، أن تحل. المجلس الوطني كيف نظر إليه من حيث الرقابة على ممارسة هذه الحقوق والحريات السياسية، بالطبيعة هذه النصوص التي جاءت هي نصوص مقترحة تنظر إلى ما هو قائم وإلى إشكالية الشتات غير متوقعة حلها في فترة قصيرة، ولذلك فأي كان الحل يتصور استمرار الحاجة إلى بقاء مؤسسات تجسد الفلسطينيين في الشتات لكي يحافظوا على حقوقهم الساسية في هذا النظام. وقد يكون هذا الشكل هو الاستمرار في شكل ما هو قائم بين منظمة التحرير والمجلس الوطني وقد يأخذ شكلاً آخر، إلا أننا تعاملنا من خلال هذا الأمر فلذلك جاءت المادة على الأقل    (70) تتحدث عن السلطة التشريعية، ونقول أن السلطة التشريعية للشعب الفلسطيني تتكون من برلمان من مجلسين، مجلس تشريعي يتولى الاختصاصات التشريعية والرقابية في الدولة أي يمارس كافة الصلاحيات السياسية والحكم في الدولة، يبقى الاختصاص الآخر للمجلس الوطني، ماذا بقي له، المجلس الوطني يفترض أنه أولا لاستمرار تمثيل هذا الشتات ليحفظ له هذه الحقوق السياسية فيقال أنه يراعي في تكوين هذا المجلس الوطني ان يمثل الفلسطينيين في الشتات والخارج تمثيلا عادلا ويختص في التشريع فيما يتعلق بالحقوق الوطنية للفلسطينيين، بما أن الحق الأساسي لهؤلاء الفلسطينيين هو حق سياسي، أسند هذا الأمر باعتباره أحق الحقوق السياسية وليس هناك إشكالية في الحقوق المدنية، لا مشكلة  أن يأتي فلسطيني مقيم في الخارج ويحمل جنسية أخرى ليستثمر أو ليقيم حياة اقتصادية أو اجتماعية، زواج أو طلاق لا إشكالية قانونية في ذلك. الإشكالية القانونية في بالسماح له بممارسة الحقوق السياسية أم لا، حتى لا يعطي المجلس التشريعي الصلاحية المطلقة في أن يقرر بأن له المشاركة أو ليس له المشاركة، له الحقوق السياسية أم لا، جاء هذا النص ليعطي هذا الأمر للمجلس الوطني بأن يتولى هذا الاختصاص كونه يمثل الفلسطينيين في الشتات، يتولى الاختصاص المتعلق بالحقوق الوطنية للفلسطينيين. أما عن الاتصال بالفلسطينيين في الشتات فكانت مسألة واردة في خطة اللجنة ولكن يبدو أن اللجنة لم يرد لها أن تعمل، فلم تخصص ميزانية ما لتعمل معنى هذا ذر الرماد في العيون، لكننا حاولنا أن نخلق من هذا الشكل مضمون بمساعدة الكثيرين وكان للمركز الفلسطيني للبحوث الدور الرئيسي في هذه المساعدة لكي نجعل من هذا الإطار الشكلي مضموناً يخلق نوعا من التفاعل لإيجاد حقيقة واضحة، عمل جدي يفترض أن يكون وضع إطار لهذه السلطة، يوحد المرجعية ويوحد النظم القانونية، ويؤسس لها ديمقراطيا، ويجعل الإنسان يشعر بأن هذا خيار وطني يتمسك به ولا تبقى هناك مرجعيات متعددة في هذا المشروع حاولنا ذلك، لكن الاتصال ربما كان محدوداً مع الخارج وهذه نقطة هامة أرجو أن نتمكن من تغطيتها في الفترة القادمة.

 

د. خليل: القصد من طرح الأسئلة ليس فقط لكي تعطينا إجابات وإنما أن تثير إشكاليات نأمل أن تؤخذ بعين الاعتبار في لجنة الصياغة.

 

سميح شبيب: أود أن أذكر بتلك الأجواء القلقة التي سادت أوساط اللاجئين الفلسطينيين في مخيماتهم وأماكن تشتتهم غداة الإعلان عن اتفاق فلسطيني-إسرائيلي عام 1993. كانت بواعث القلق تتلخص باختصار في نقطتين أساسيتين، أولهما تأجيل البحث في قضيتهم، وثانيهما عدم وضوح النص الخاص بها، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام دفق من الهواجس والتخوفات المشروعة. استعيد ذلك الآن ونحن في جلسة خاصة لمناقشة مواد مشروع الدستور الخاصة باللاجئين والشتات الفلسطيني للتأكيد على أهمية الوضوح والتحديد منعاً لتداخل الهواجس والمخاوف، وتأكيداً على ما نريد قوله وتحديده. بداية يمكن القول أن ما ورد في المادتين الأولى والثانية من مسودة الدستور تكفي فعلا لتأسيس مواد واضحة ومحددة حول قضية اللاجئين الفلسطينيين وفقاً لمقررات الشرعية الدولية وحقوق الإنسان الواردة في اتفاقيات جنيف مضافاً إليها بعض الخصوصيات المرافقة فلسطينياً.

 

ثاينا، نص المادة (27) نصا واضحا حول الجنسية الفلسطينية ونيلها واكتسابها على نحو واضح، أما ما ورد في المادة (34) حول حق العودة فيبدو أن ثمة التباسات عديدة سببها على ما يبدو الصياغة والمصطلحات أو أخطاء مطبعية، فالمادة (34) نص المادة "حق عودة الفلسطيني الاجتماعي إلى مسقط رأسه من حقوق الأفراد الطبيعية التي لا تتقادم ولا يجوز التصرف فيها نيابة عنه أو التسليم بحرمانه منها"، هنا النص فعلا مرتبك جداً وغير واضح على الإطلاق، إلى مسقط رأسه إلى وطنه إذا وجد معنى سياسي أدق، لا تسقط بالتقادم، التسليم بحرمانه، وأظن كلمة الاجتماعي ليس هي الكلمة المناسبة، لأن حق العودة الفلسطيني السياسي والاقتصادي والاجتماعي ليس كاملا، أي يبدو أن هذه الفقرة مرتبكة وتحتاج إلى إعادة صياغة. ما هي مدلولاتها بطريقة كاملة، ويا حبذا لو تضمنت هذه المادة أيضا روح ومعنى القرار (194). ما ورد في المادة (67) هنا أيضا "الشعب العربي الفلسطيني مصدر السلطات ويمارسها عبر منظمة التحرير والسلطات العامة في دولة فلسطين على الوجه المحدد في الدستور وبما يكفل مشاركة الفلسطينيين في الشتات في رسم السياسات الوطنية العامة"، يبدو لي أن هذه المادة مأخوذة من الواقع وليس من واقع  --دعني أقول-  سياسي منظور مستقبلا، ذلك أن دولة فلسطين تكفي، الشعب العربي مصدر السلطات ويمارسها في دولة فلسطين، فدولة فلسطين ستشمل إذا قامت هذه الدولة على كل المعاني السياسية والدستورية، منظمة التحرير هذه أداة قد تكون موجودة الآن وقد لا تكون موجودة في إعلان الدولة، في اتفاق سلام شامل وكامل لن تكون هناك منظمة تحرير، في المادة (68) "يتولى ممارسة سلطات الشعب العامة في دولة فلسطين سلطات ثلاث، يتولى السلطات التشريعية مجلس تشريعي منتخب يراعي فيه تمثيل الفلسطينيين"، هنا كلمة للفلسطينيين مفتوحة، توحي أن السلطة التشريعية، للفلسطينيين جميعا في الوطن وفي الشتات وأينما تواجدوا. المادة (70) فيها إشكالية كبيرة "يمارس السلطة التشريعية للشعب الفلسطيني برلمان يتكون من مجلسين"، سنلاحظ الآن أن لدينا مصطلح البرلمان ومصطلح المجلس التشريعي وسيأتي مصطلح المجلس الوطني، هذا سينعكس على المواد الأخرى وستظهر إشكاليات كبيرة، ولا اعتراض هنا أن يمارس السلطة التشريعية للشعب الفلسطيني برلمان يتكون من مجلسين، برلمان يرد في هذه المادة وسوف يغيب بعد ذلك عن كافة مواد الدستور. المجلس التشريعي المكون من 150 نائباً والمجلس الوطني أيضا المكون من 150 نائبا يراعي الشتات ...الخ، لا أدري لماذا الشتات 150 والتشريعي 150 على أي ركيزة ارتكز هذا الرقم، إذا ارتكز على ركيزة عدد السكان يكون للمجلس الوطني أكثر، فعدد الفلسطينيين في الخارج أكثر منه في الداخل بكثير. هناك أيضا إشكال آخر ما بين هذه المادة والمادة رقم (70) والمادة (78). المجلس التشريعي هو مجلس منتخب لكن المجلس الوطني لا تذكر المادة كيف سيأتي، هل هو بالإنابة الثورية أم بنظام الكوتا الفصائلية أم بالتعيين، هذا أيضا يحتاج إلى بت، علما أن هذه المادة هي مادة نظرية أكثر منها عملية، ذلك أن سوريا ولبنان والعراق ومصر والأردن لن يسمح لنا بالانتخاب في الانتخابات، وحتى هذه اللحظة نستطيع القول أننا لسنا مخولين بإجراء انتخابات في هذه الدول. في المواد (97) و (98) و (102) و (112) نلاحظ أن معظم الحديث عن المجلس التشريعي، فأين المجلس الوطني ولما يغيب في هذه المواد، هل المقصود هنا بالمجلس التشريعي هو المجلس التشريعي والوطني في آن واحد. في المادة (198) تنشأ بموجب الدستور محكمة دستورية لتمارس اختصاصها باستقلالية لحماية الشرعية في عمل مؤسسات الدولة وتتكون من (9) قضاة ممن تتوافر لديهم شروط الترشيح للمجلس التشريعي وتسند إليهم سلطات المحكمة الدستورية على النحو التالي: "ينتخب ثلاث منهم المجلس التشريعي تنتخب السلطة التنفيذية ثلاثة، وثلاثة ينتخبهم المجلس الأعلى للقضاء" أين الشتات هنا؟.

 

مادة (207) أيضا فيها نفس الإشكال "تنظر المحكمة الدستورية بناء على طلب من رئيس الدولة أو رئيس المجلس التشريعي أو خمسة أعضاء بالمجلس التشريعي أو بطلب من المحاكم أو المدعي العام.."، أيضا هنا يغيب الشتات تماما ودور الشتات. تبقى هناك ملاحظات سريعة جداً، هو أن مقررات الشرعية الدولية وحقوق الإنسان مضافا إليها ما استجد في غضون 53 عاما الأخيرة، كالتعويضات مثلا، إذا أردنا ذكر التعويضات علينا أن يكون هناك ولو لائحة داخلية في هذه المادة أنه كيف تقدر هذه التعويضات بعد 53عاما لأن نصوص الشرعية الدولية تتحدث عن أمر كان في السابق، وماذا يطال هذا التعويض، هل الممتلكات فقط؟.

 

هناك نقطة أساسية أيضا علينا مراعاتها في صياغة المادة التي أشرنا إليها حول "مفهوم العودة" إن العودة هي مفهوم فلسطيني ارتبط بالتحرير ولم يرتبط بالمفاوضات على الإطلاق حاليا عندما نتحدث عن مفهوم العودة هذا المفهوم أصبح يرتبط بالمفاوضات. فعندما كنا نقول تحريراً كنا نقول عودة، أي نحرر ونعود، حاليا لا، العودة أصبح لها مفهوما آخر علينا الإشارة إليه. هذه الملاحظات سريعة جدا حول مواد الدستور لإتاحة النقاش حولها وشكراً.

د. خليل الشقاقي: لدي بعض الأسئلة للدكتور أحمد، الهدف أن نتحاور جميعا حول هذه الأسئلة والتعليق عليها، هنا ستة أمور رئيسية بحاجة للمناقشة بالإضافة إلى النقاط السابقة.

 

الموضوع الأول المتعلق بتعريف الفلسطينيين وجنسيته وإذا ما كان هناك ازدواجية في الجنسية دعونا نتكلم بصراحة، من هم الفلسطينيون الذين نتحدث عنهم، هناك ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة وغزة، ومليون وما يزيد قليلا في إسرائيل، وهناك 2-3 مليون في الأردن، المليون الموجود في إسرائيل لديه جنسية، المليونين ونصف أو الثلاثة ملايين في الأردن لديهم جنسية، الموجودين هنا لديهم جنسية فلسطينية، الباقين الذين لا يحملون جنسية هم المتواجدون في الشتات في سوريا ولبنان، والقصد أن هناك حوالي نصف مليون فلسطيني لا يحملون جنسية والغالبية العظمى يحملون جنسيات أخرى، نعرف الآن أن هذا هو الترتيب وهذا هو الوضع، ونحن بحاجة بالتالي أن نبني على هذا الوضع ممكن أن يتغير هذا الوضع الآن، لنفترض أن هذا هو الوضع الراهن فكيف نتعامل معه. الفلسطيني الموجود في الأردن حسب هذا النص هو بالضبط كمثل ذلك الذي يعيش في إسرائيل، بحاجة إلى مناقشة هذه المسألة.

 

النقطة الثانية، موضوع المؤسسات، النص الحالي يتحدث عن مؤسستين تمثل الشتات، إحداهما منظمة التحرير والأخرى هي المجلس الوطني، لكن لا يوجد هنا مطلقاً أي ذكر يوضح ما هية منظمة التحرير، هل التي نعرفها الآن لكن هذه فعلا ستبقى لاحقاً كما هي بكل قوانينها وإجراءاتها، هذا شيء مختلف. ثانيا، هناك المجلس الوطني ويقال في النص أنه يمثل الشتات ويختص بتشريعات الفلسطينيين، لكن نحن هنا ثلاثة ملايين هل سيكون لا علاقة لنا به، هل سيقرر هو لكافة الشعب الفلسطيني ونحن الثلاثة ملايين الذي نعيش في الضفة وغزة ودولة فلسطين لا علاقة لنا به وبانتخابه، هل هذا معقول. كيف سيقرر لنا ونحن من لا نحمل جنسية أخرى عدا عن هؤلاء الموجودين في إسرائيل والأردن والشتات.

 

هل المجلس الوطني سيمثلهم وسيقوم باتخاذ قرارات متعلقة بهم، بينما نحن الثلاثة ملايين الموجودين في دولة فلسطين لا نشارك بانتخابه مطلقا، هناك مشكلة هنا في قضية هذه المؤسسة وفي وظيفتها أيضاً، وهذا هو الموضوع الثالث، ما هي وظائف هذه المؤسسات التي ستقر قوانيناً متعلقة بالشتات، فأي قوانين متعلقة بالشتات لها تأثير على الدولة أيضا وعلى الأفراد فيها، كيف ستمنح هذا المجلس ليقرر شيئا سيكون تأثيره المباشر أيضا على الثلاثة ملايين الذي يعيشون هنا، كيف يمنح هذا الحق للتصرف به وحده بينما المجلس التشريعي المنتخب يجلس هنا صامتا ويصبح ملزما بتلك القرارات، ورغم أن هذا المجلس منتخب من خارج دولة فلسطين من خارج الضفة وغزة، المسؤولية المعطاة له كبيرة أنظر المسؤولية المعطاة له وكم هو غير تمثيلي للأفراد في الداخل، كما أنه ليس فقط يمثل في الخارج وإنما يمثل في قوانين مالية، هو معطي صلاحيات هنا بأن عليه مسؤولية في القوانين المالية، وحتى هذا يقودنا إلى الإشكاليات الداخلية، وهي النقطة الخامسة التي سنأتي لها لاحقاً، لكن إذا كان لدينا أمرا يحتاج تمرير المجلسين، لا يقول لنا هذا النص كيف يمرر من قبل المجلسين، مثلا لو أن هناك قانونا ماليا، ونفترض أن المجلس التشريعي أقره ولم يقره المجلس الوطني، فماذا يحدث، أو نفترض أن كلاهما لم يقره فكيف يتم التغلب على عملية عدم إقراره من قبلهما، ..... الفلسطينيون الذين لا يحملون إلا جنسية واحدة سيكونون بلا دور، وهذا يتناقض مع النصوص الأخرى التي تقول أن المجلس التشريعي هو الذي يمنح الثقة.

 

النقطة الرابعة هي عن ممارسة الوظيفة، لا نعرف كيف تمارس منظمة التحرير وظيفتها، ونعرف أن المجلس الوطني ليس هناك أي ذكر مطلقا لكيفية ممارسته لوظيفته، نفترض أنه سيراقب، فكيف سيراقب، لم يذكر أنه أعطي حق الاستجواب، عدا على أنه يوافق على الحكومة، ويوجد تناقض لاحقا يسحب منه هذا على ما يبدو، إذن ليس لديه أية قدرة على ممارسة أية وظيفة وهنا انتهى به الأمر وكأنه ديباجة. لا يوجد هنا نص، إذا كون مجلس ومنح وظيفة وتكون قراراته ملزمة لا يوجد هنا طريقة له كي يراقب ليتأكد من أن قراراته ملزمة. نظام الحكم الصالح يتطلب أن الجهة المسؤولة التي تكون قراراتها ملزمة أن تراقب، وإلا كيف سيكون هنا حكما صالحا.

 

النقطة الخامسة، الإشكاليات الداخلية التي يثيرها الموضوع، مسؤولية المجلس عن الشتات، ونحن هنا الذين لا نملك جنسيات أخرى ألا يجب أن يكون مسؤولا أمامنا، ألا يجب أن ننتخبه نحن أيضا، كيف سيشرع في حقوق ستؤثر علينا مباشرة دون أن يكون لنا دور في تقرير دوره. ثانيا الموضوع الثاني هو قضية مسألة الحكم الصالح، إذا وجدت دولة ومسؤوليات يجب أن يكون هناك نظام للمراقبة والمحاسبة. الإشكاليات الخارجية في اعتقادي لا تقل أهمية ويمكن أن تخلق لنا مشكلة مع إسرائيل، وعلى الأقل مع الأردن أيضا. هل نريد أن نضع نظاماً انتخابيا للفلسطينيين المتواجدين في الأردن لانتخاب المجلس الوطني، الأردن وإسرائيل ستعتبر هذا إعلان حرب عليهما، فسيكون هناك حساسية لهذا الموضوع خارجيا، وحساسية يمكن تلخيصها للفلسطينيين الذي يحملون جنسية أخرى.