لم يكن هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، والحرب المدمرة التي تلته على مدى عامين، مجرد حلقة مأساوية أخرى من العنف؛ بل كان حدثًا مزلزِلاً ومزعزعًا للنظام القائم غيّر بشكل لا رجعة فيه الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني والنظام الإقليمي. وبالنظر إلى العقد المقبل، من الواضح أن الحرب قد حطمت نموذج "إدارة الصراع"، وأثارت أزمة شرعية عميقة للقانون الدولي والدبلوماسية الغربية، وفاقمت من حالة الفراغ السياسي العميق داخل الحركة الوطنية الفلسطينية. تصف هذه الورقة تلك التطورات الناجمة عن السابع من أكتوبر وحرب غزة المتوقع أن تدوم طويلا بعد تلك الحرب وتناقش كيفية التعامل السياساتي الفلسطيني معها. تقوم الورقة بتحليل تلك التبعات الدائمة للحرب، وتقيّم خطة ترامب للسلام وإشكالياتها الجوهرية، وتحدد الخيارات الاستراتيجية المتاحة لقيادة فلسطينية تجد نفسها تتصارع مع واقع جديد ومحفوف بالمخاطر. تستنتج الورقة أن أي مسار للمضي قدمًا يجب أن يبدأ من تجديد سياسي فلسطيني داخلي وليس من خطط خارجية حيث أصبحت الاستراتيجيات التقليدية القديمة عقيمة بفعل عالم أعادت صياغته صدمة الحرب.
(1) التبعات طويلة الأمد لحرب غزة
لم تكن حرب غزة مجرد جولة أخرى في حلقة مألوفة من الحروب؛ بل كانت صدمة للمنظومة القائمة كلها. وكما في حربي 1948 و1967، فإن آثارها ستقاس بالتحولات المؤسسية والقيمية وفي المواقف التي ستستمر إلى ما بعد أي وقف لإطلاق النار أو خطة ترامب لغزة. لقد أطلقت سلسلة من التحولات الهيكلية التي ستحدد العقد المقبل من الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني والشرق الأوسط الأوسع. هذه الاتجاهات ليست عناوين عابرة، بل هي إعادة تنظيم جوهرية في الرأي العام، والقوة السياسية، والمعايير الدولية.
أولاً، أدّت الحرب إلى إعادة اصطفاف في الرأي العام العالمي. ففي الولايات المتحدة، انفتح شرخ عميق بين الأجيال والأحزاب. تظهر استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة غالوب بين عامي 2023 و[1]2025، ومركز بيو للأبحاث في أكتوبر [2]2025، واستطلاع جامعة ميريلاند الذي أجراه د. شيبلي تلحمي في يوليو-أغسطس 2025[3] أنه في حين يظل كبار السن والجمهوريون مؤيدين لإسرائيل بقوة، فإن غالبية الديمقراطيين والناخبين تحت سن 35 عامًا يعبرون الآن عن تعاطف أكبر مع الفلسطينيين. وهذه الفئة، التي تتشكل آراؤها بفعل وسائل التواصل الاجتماعي وإطار العدالة الاجتماعية، تدعم بشكل متزايد ربط المساعدات الأمريكية لإسرائيل بشروط. وفي داخل حركة "ماغا" (اجعلوا أمريكا عظيمة مرة أخرى)، ظهرت نزعة انعزالية قائمة على مبدأ "أمريكا أولاً"، تشكك في تكلفة التدخلات الخارجية، بما في ذلك المساعدات لإسرائيل، مما خلق شرخًا في الإجماع الجمهوري المؤيد لإسرائيل الذي كان يومًا ما متماسكًا.[4] وتجدر الإشارة إلى أن هذه التحولات المهمة في الولايات المتحدة تحدث في وقت أصبحت فيه إسرائيل أكثر اعتمادًا على الولايات المتحدة من أي وقت مضى، حيث يتزامن ذلك مع زيادة الاعتماد العسكري الإسرائيلي على الولايات المتحدة، مما يخلق تحديات لصانعي السياسات ويزيد من نسبة الاعتقادات بأن الدعم الأمريكي هو عامل "وجودي" لإسرائيل.[5] ووفقًا لصحيفة "نيويورك تايمز"، فإن اعتماد إسرائيل على الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الأمريكي أصبح "فاضحا" خلال الحرب الأخيرة، مما يجعل المعركة على الرأي العام الأمريكي حاسمة بالنسبة للمنظور الاستراتيجي لإسرائيل.[6] وينعكس هذا الاتجاه في أوروبا، حيث أدت المظاهرات الشعبية وأنشطة الشباب إلى زيادة التكلفة السياسية للدعم غير المشروط لسياسات إسرائيل.[7] وفي العالم العربي، يظهر الباروميتر العربي في جولته الثامنة[8] بعد السابع من أكتوبر وبدء حرب غزة أن أغلبية كبيرة تعارض التطبيع مع إسرائيل في غياب تنفيذ خطوات موثوقة نحو إقامة الدولة، وتؤكد تلك الجولة وجود آراء سلبية حادة تجاه الولايات المتحدة. وستُقيّد هذه المواقف لدى الرأي العام العربي عملية اتخاذ القرارات بشأن خيارات السياسة المتعلقة بإسرائيل وفلسطين.
ثانيًا، حطّمت الحرب النهج أو النموذج المسمى «إدارة الصراع» الذي ساد عقداً كاملاً. فقد افترض هذا النهج الذي أصبح عقيدة راسخة إمكانية «احتواء» الصراع عبر التنسيق الأمني والحوافز الاقتصادية وإطفاء الحرائق دورياً، وتجاوز الحل السياسي. نسف هجوم 7 أكتوبر والحرب اللاحقة هذا الافتراض، إذ أعاد العنفُ القضيةَ الفلسطينية إلى مركز الدبلوماسية الإقليمية والدولية، وأثبت ذلك أنّ بقاء شعب تحت الاحتلال لفترة طويلة هو أمر لا يمكن تجاهله، وأن تجاوز الفلسطينيين (وهو افتراض بل وأساس «الاتفاقات الإبراهيمية») لن ينتج اندماجاً أو تكاملا إقليمياً مستداماً. لقد بات التطبيع السعودي–الإسرائيلي غير قابلٍ للتسويق سياسياً بلا مكاسب فلسطينية. في إسرائيل، لا يعني هذا بالضرورة إحداث تحول أو توجه نحو حل الصراع؛ بل قد يُفضي إلى مرحلة أشدّ فظاعة من الإكراه والعنف.
ثالثاً، عجّلت الحرب من ظهور تدهور خطير في مكانة السلطة الفلسطينية وأطلقت أزمة تمثيل عميقة. قبل الحرب، كانت شرعية السلطة متآكلة. وأظهرت استطلاعات المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية وجود أغلبية كاسحة ترى السلطة فاسدة وتطالب برحيل الرئيس عباس.[9] وقد وفّرت الحرب فرصة للحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة والمستوطنين لإضعاف السلطة وجعلها عاجزة. وثبّتت سلبية السلطة وعجزها عن حماية الناس من قلة جدواها. وخلال الحرب، ظلّ أكثر من 80% يرون السلطة فاسدة ويطالبون برحيل الرئيس. كانت السلطة غائبة، وقواتها الأمنية عاجزة عن حماية البلدات والتجمعات الضعيفة من إرهاب المستوطنين، ولم يكن لها دور في نقاش «اليوم التالي». برزت حماس مثخنة الجراح لكنها «صامدة» سياسياً لدى شرائح من الجمهور، حتى مع تراجع قدرتها على الحكم في غزة. والنتيجة فراغ تمثيلي: سلطة ضعيفة في الضفة، وبقايا نفوذ لحماس ومجموعات مسلّحة أخرى في غزة.
وقد أفضى ذلك إلى بروز فراغ قيادي مكتمِل سمح بإعادة «تعريب» إدارة الصراع، وهي نتيجة رابعة طويلة الأمد للحرب. فمنذ أواخر الستينيات، صار «القرار الوطني الفلسطيني المستقل» عقيدة أساسية لمنظمة التحرير. أعادت حرب غزة عقارب الساعة إلى الوراء. وأصبحت "مجموعة الاتصال" المكونة من السعودية، ومصر، والأردن، وقطر، والإمارات محور التخطيط لـ«اليوم التالي»؛ واستعادت مصر مركزيتها في الحفاظ على الأمن على حدود غزة؛ واحتكرت قطر ومصر الوساطة في ملف الأسرى ووقف إطلاق النار؛ وربطت عواصم الخليج تمويل إعادة الإعمار بإصلاح السلطة وبوجود أفق سياسي ذي مصداقية. إن الدول العربية—خصوصاً مصر والسعودية وقطر—أضحت مهندسة «اليوم التالي»، وتولت فعلياً وكالة القرار الفلسطيني. ومنح القصف الإسرائيلي للدوحة في سبتمبر/أيلول 2025 القوى العربية والإقليمية الكبرى حافزاً إضافياً لتولي إدارة الصراع. وهي اليوم المحاور الرئيس لواشنطن، تحدد شروط الإعمار والحكم المستقبلي عودةً إلى ما قبل تأسيس منظمة التحرير. وسيستمر هذا التطور ما دامت المؤسسات الفلسطينية تفتقر إلى الشرعية والقدرة، وما دام الغرب يُفوّض الاستقرار لشركائه العرب. وحتى يعيد الفلسطينيون بناء جسم وطني تمثيلي وشرعي، سيُدار الملف من العواصم العربية.
خامساً، قادت صدمة 7 أكتوبر إلى تصلّب خطِر في المجتمع الإسرائيلي وصعود سياسي متزايد لليمين الديني–القومي المتطرف. لم تُنتِج الصدمة مراجعة واسعة لمخاطر استمرار الاحتلال، بل عززت من الاحساس بالتهديد ودفعت المركز السياسي أكثر نحو اليمين. ويمكن أن يؤدي الاعتماد الإسرائيلي المتزايد على الولايات المتحدة الأقل تعاطفًا معها، كما رأينا أعلاه، إلى زيادة إحساس إسرائيل بضعفها ويدفعها لزيادة الاعتماد على القوة الغاشمة لدرء التهديدات المستقبلية المحتملة. بات المشهد واضحاً: انحسر معسكر السلام؛ وبات حل الدولتين يشكل خطراً؛ وتعزّزت المطالبات بالضم والانتقام. وترجم وزراء اليمين المتطرف وحركات المستوطنين ذلك إلى سياسات: تسريع الاستيطان وتقنين البؤر، استحداث أدوات مالية وإدارية لتعميق السيطرة، إفلات أكبر من العقاب على عنف المستوطنين، وخطاب أمني يقدّم الهيمنة على التوافق والحلول الوسط. بل إن السردية الإسرائيلية الغالبة اليوم للسابع من أكتوبر ليست الإيمان بحدوث فشل سياساتي، بل فشل في فرض الإرادة، بما ينتجه ذلك من رفض واسع للتسوية وخطاب يتمحور حول السيطرة الأمنية الدائمة. صارت أحزاب دينية–قومية مسيانية (أو خلاصية) كانت هامشية قبل بضع سنوات فقط مركزية في صنع القرار، وهي تدفع نحو ضمّ فعلي في الضفة وتكريس واقع دولة واحدة بحقوق غير متساوية. ويضمن هذا التحول عدم وجود أي حكومة إسرائيلية لديها التفويض السياسي لاتفاق سلام حقيقي في المستقبل المنظور. وبالتوازي، عادت صراعات ما قبل الحرب، أي الصراعات المدنية–العسكرية والدستورية (إصلاح القضاء، تجنيد الحريديم)، لتضع ائتلاف اليمين الشعبوي في مواجهة تيارات وسطية وليبرالية، بما فيها شبكات جنود الاحتياط. سيشهد العقد المقبل صراعاً داخلياً على طابع إسرائيل الديمقراطي وهويتها الدستورية يتعايش مع إجماع سياسي يرفض التنازلات الجوهرية من أجل السلام.
سادساً، أتاحت الحرب لإيران أن تُظهر قدرتها على التأثير في مستقبل المنطقة. لقد غيّر أداء «محور المقاومة» خلال الحرب—برغم كلفته الباهظة على ذلك المحور—معادلات الشرق الأوسط برمّتها، فزاد من حالة عدم الاستقرار واحتمالات الحرب. في هذا السياق، نجحت الحرب في تعطيل جهود التطبيع الفوقي بقيادة الولايات المتحدة، مانحةً المحور نصراً استراتيجياً. فقد جعلت التطبيع السعودي–الإسرائيلي مستحيلاً، وأعادت ربط الدبلوماسية الإقليمية بالقضية الفلسطينية. وبينما كانت التكلفة على إيران وحلفائها مدمرة، زاد المحور من رأسماله السياسي من خلال إظهار قدرة قسرية متكاملة: ضغط مدروس على شمال إسرائيل، ونيران بعيدة المدى، وتعطيل لممر بحري أساسي. رفعت هذه الأدوات كلفة التطبيع الذي يتجاوز الفلسطينيين؛ وربطت الرياض التطبيع بخطوات ذات مصداقية نحو الدولة الفلسطينية. والأهم من ذلك، جعلت الحرب المنطقة أكثر تقلباً وانكشافا وضمنت بقاء الصراع بؤرة اشتعال متقد بانتظار مواجهة أوسع. يتميز الشرق الأوسط اليوم بكونه مسرحا لعدم استقرار مزمن منخفض الوتيرة ومتعدد الجبهات، ولم يعد مجموعة أزمات معزولة، وأضحت القضية الفلسطينية مندمجة في تلك المنافسة الاستراتيجية الدامية.
أخيراً، فجّرت الحرب أزمة عميقة في النظام القانوني والمعياري الدولي. فقد رسخت إجراءات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب الحملة السياسية على «الأونروا»، انطباعاً واسعاً في الجنوب العالمي بازدواجية المعايير الغربية. وأسّس تعليق تمويل «الأونروا» والضغط على الفاعلين الإنسانيين سابقة خطيرة. إن الأثر بعيد المدى واضح: ستفقد مزاعم الغرب بقيادة «نظام قائم على القواعد والأنظمة ذات الطابع العالمي» وزنها الأخلاقي حيث تظهر بوضوح الانتقائية في الالتزام بهذا النظام. لقد قَوّض التباين بين التزام الغرب بالقانون في أوكرانيا وتوفير غطاء دبلوماسي وعسكري لإسرائيل في غزة مصداقيته الأخلاقية، وأضعف شرعية المؤسسات الدولية وسرّع الانتقال إلى عالم أكثر تجزؤاً وتعدداً، يُنظَر فيه لـ«النظام القائم على القواعد» كأداة قوة وليس كمجموعة مبادئ كونية.
(2) عدم الثقة بإسرائيل، وفقدان الغرب لقوته الناعمة، وخطة ترامب
رافقت النتائج بعيدة المدى للحرب تطورات أخرى قد لا تكون نتيجة مباشرة أو قد لا تبلغ الديمومة ذاتها، لكنها تحمل آثاراً على الاستراتيجية الفلسطينية المقبلة: (1) إذ تُشكك في جدوى أي اتفاقات مستقبلية مع إسرائيل؛ (2) وتؤثر في بنية النظام الدولي الصاعد ومعاييره، بما قد ينعكس على المصالح الفلسطينية طويلة الأمد؛ و(3) وتؤطر لسياسة فلسطينية قصيرة المدى حيال غزة وخطة ترامب ذات النقاط العشرين.
الانطباعات السائدة بعدم موثوقية إسرائيل: أفرزت تجربة مفاوضات حرب غزة انطباعاً واسعاً لدى الفلسطينيين والعرب بأن إسرائيل لا تفاوض بحسن نية، وتستغل الغموض، وتؤجل الالتزامات الجوهرية، ولها تاريخ في التنصّل من الاتفاقات. لن يقوض ذلك من إمكانيات التفاوض بشكل كامل—فالحاجة إلى الاستقرار والصفقات التكتيكية ستبقي المحادثات قائمة —لكنه قد يحدّ من جدوى الاتفاقات ويغير كيفية تصميمها وتسويقها. لقد انتهى عهد «بناء الثقة» والتدرّج (كما في أوسلو). وستتسم المفاوضات المقبلة بالصفقات المتبادلة بدلاً من الثقة، حيث ستتطلب كل خطوة تحققًا وإنفاذًا دقيقين.
بالنسبة للفلسطينيين، يعني ذلك المطالبة بتنازلات فورية وضمانات قوية من أطراف ثالثة. حفاظاً على شرعيتها، ستحتاج أي قيادة سلطة قادمة لنبذ الاتفاقات المرحلية والمطالبة بخطوات لا رجعة فيها نحو السيادة منذ البداية. وبالنسبة للدول العربية، يزيد هذا التصور بشكل كبير من المخاطر السياسية للتعامل مع إسرائيل. سيُصرّ الوسطاء كالقاهرة والدوحة على دعم أميركي ودولي أوسع لضمان الامتثال، فيما سيجعل «المطبّعون» المحتملون—ولا سيما السعودية—أي اتفاق مرتهناً بضمانات أميركية وتقدّم ملموس وفوري نحو دولة فلسطينية. لقد ارتفع ثمن التطبيع كثيراً. وغدا نموذج ترحيل القضايا الجوهرية عملا متهوراً، مما يستدعي المطالبة بتنازلات إسرائيلية ملموسة في بداية أي مسار، مما يخلق عائقًا أعلى بكثير للنجاح الدبلوماسي.
التغيير المعياري والهيكلي في النظام الدولي: توطئةً للنتيجة السابعة للحرب كما ذكرنا أعلاه، خلّفت تلك الحرب جرحاً عميقاً في مصداقية الولايات المتحدة وأوروبا في العالم العربي والجنوب العالمي. لقد حطمت ازدواجية المعايير—بين خطاب القانون في أوكرانيا والدعم الدبلوماسي والعسكري لإسرائيل—ادعاء الغرب بقيادة «نظام قائم على القواعد». ليس هذه خلافاً عابراً، بل أزمة شرعية بنيوية. يحدث هذا الفراغ في المصداقية المعيارية في لحظة تحوّل بنيوي عالمي، ما يخلق فرصة استراتيجية للقوى غير الغربية وغير الأعضاء في الناتو كالصين وروسيا. تقدّم الصين، خصوصاً، بديلاً براغماتياً متوقعاً. إذ تقوم سياستها الخارجية على «عدم التدخل» وشراكات اقتصادية تبادلية تُرضي أنظمة سئمت «محاضرات» حقوق الإنسان. تستمد بكين مصداقيتها لا من رؤية أخلاقية مشتركة بل من موثوقيتها كشريك اقتصادي ومورّد سلاح، ومن خطابها المتسق (ولو كان مصلحيا) عن السيادة والتعددية القطبية. أما روسيا فتوفر سلاحاً، لكن لن يُنظر إليها كحليف استراتيجي؛ إذ قيّدت حرب أوكرانيا يدها عن إسناد حلفائها، كما ظهر في سوريا وإيران وفنزويلا وكوبا.
ستكون عواقب «تعددية القطبية» وتراجع القوة الناعمة الغربية صعبة التنبؤ. وعلى الأرجح ستبقى الولايات المتحدة— على الأقل في المدى المتوسط—الضامن الأمني الأول للمنطقة، لكن نفوذها سيغدو معتمدا أكثر وأكثر على الصفقات المصلحية التبادلية. وستواصل الدول العربية التحوط من خلال الموازنة بتنويع الشراكات—الاعتماد على واشنطن أمنياً، وعلى الصين اقتصادياً وتكنولوجياً وتسليحاً، وعلى روسيا في احتياجات أمنية واقتصادية انتقائية. لقد ضعفت قدرة الغرب على بناء ائتلافات واسعة والقيام بدور حكم أخلاقي، مُدشّناً نظاماً عالمياً أكثر تجزؤاً وتنافسية وأكثر اتجاها نحو التعددية القطبية. لقد كان تقسيم فلسطين في عام 1947 نتاجًا للنظام الدولي القائم على قواعد رسمتها الولايات المتحدة والدول المنتصرة بعد الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك بقي ذلك التقسيم غير متحقق. أما النظام الجديد قيد التبلور فلا يَعِد الفلسطينيين لا بالاستقلال ولا بالمساواة؛ ونيل أي منهما سيتوقف على قدرتهم على تحديد مكانتهم وتشكيل مستقبلهم داخل هذا المشهد الجديد.
خطة ترامب للسلام: هدنة، لا سلام: إن خطة ترامب ذات العشرين نقطة لقطاع غزة—التي أرست وقف إطلاق نار وتبادل أسرى في مرحلتها الأولى في أواخر 2025، وأنشأت اللجنة الوطنية لإدارة غزة والهيئة التنفيذية لمجلس السلام غير الفلسطينية تحضيراً للمرحلة الثانية—ليست خريطة طريق لسلام مستدام، بل ترتيبٌ مهدد بالتجزئة والتعثر، يحقق أهدافاً فورية ويفشل استراتيجياً. فهندستها لا تنسجم مع الواقع السياسي، فتخلق «توقفا» في الحرب ولكن ليس مسارًا لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي الأكبر. فهي غير مستدامة بسبب وجود خمسة تحديات أساسية: (1) من المرجح أن يكون مطلبها بنزع سلاح حماس في غياب سلام أوسع ونهاية للاحتلال غير واقعي؛ إذ لن تقبل الجماعات الإسلامية التسليم بانكشافها المطلق أمام ضربات إسرائيل أو مجموعات موالية لها، ولديها في ذلك تأييد شعبي واسع—حتى داخل غزة—حيث تنعدم الثقة بالخارج وتبقى مخاوف التهجير والإبادة وتظل، في هذا الصدد، حماس وأسلحتها الرافعة الوحيدة التي يشعر بها سكان غزة. (2) إن نموذج الحكم المقترح—أي لجنة إدارية بإشراف أجنبي وقوة عسكرية خارجية بقيادة أميركية—هي صيغة «انتداب جديد» تنفي الوكالة الفلسطينية وتفتقر لشرعية محلية. ورغم أن اللجنة الإدارية ستتمتع بلا شك، في المدى القصير، بدعم كبير من سكان غزة، فإن عجزها عن تجاوز القيود الإسرائيلية أو تنفيذ الأجندة السياسية الأمريكية سيجعلها عاجزة وغير قادرة على تغيير الواقع على الأرض بشكل كبير لأكثر من مليوني غزي .(3) ينظر الفلسطينيون إلى "الأفق السياسي" الغامض للخطة، وهم محقون في ذلك، على أنه تهرب متعمد من قضايا السيادة الأساسية، بما في ذلك القضايا المتعلقة بالحدود والقدس، مما يجعل من المستحيل على أي زعيم فلسطيني أن يرى فيها أي شيء آخر غير "صفقة القرن" المشؤومة لعام 2020. (4) على الرغم من زيادة الرغبة الأمريكية في استخدام النفوذ للضغط على إسرائيل، تظل الخطة خاضعة لحق النقض السياسي الإسرائيلي، حيث ستكون أي حكومة يمينية صاحبة حق فيتو سياسي؛ إذ يعتمد نجاح الخطة على وجود شريك إسرائيلي وهمي لا تسمح به خريطة الحكم اليمينية المقيدة بأحزاب متطرفة تعارض الدولة الفلسطينية. (5) وأخيرًا، تفشل الخطة في حل أزمة التمثيل الفلسطيني، متجاوزة السلطة الفلسطينية بينما تتوقع منها الإصلاح، وتتفاوض مع حماس بينما تسعى إلى تهميشها.
وعليه، لن تُوحّد الخطة الضفة وغزة؛ بل ستُكرّس الانفصال من خلال إنشاء مسار حكم منفصل لقطاع غزة. وسيتم تقييد إعادة الإعمار بشدة بسبب المخاوف من تكرار تجارب العقد الماضي عندما دمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية المتكررة جميع الاستثمارات في البنية التحتية والمنازل من قبل مصر وقطر والإمارات العربية المتحدة وغيرها. لذلك، ستكون إعادة الإعمار بطيئة ومشروطة بشدة، وليست إعادة تطوير شاملة.
إن الطريق الوحيد لتجاوز هذه الإشكالات هو قلب منطق الخطة: إعطاء الأولوية للانتخابات الفلسطينية الشاملة لإنتاج قيادة وطنية شرعية، وتحديد حل الدولتين أفقا سياسيا مبنيا وفق القانون الدولي، وجعل نزع السلاح نتيجة لتسوية نهائية لا شرطاً مسبقاً. دون ذلك ستكرر الخطة ببساطة إخفاقات الماضي.
(3) الخيارات الفلسطينية: استراتيجية وطنية جديدة
يجب أن تأخذ الاستراتيجية الفلسطينية الجديدة في الاعتبار جميع التبعات طويلة المدى لما بعد 7 أكتوبر—فتعترف بقيودٍها طويلة الأمد وتلتقط الفرص الناشئة، بما في ذلك ما يتيحه مسار النقاط العشرين من أمور إيجابية في خطة ترامب. إن من الواضح أن صعود اليمين الديني–القومي في إسرائيل، وأزمة القيادة الفلسطينية، وانهيار أوسلو، وانعدام الثقة بموثوقية الحكومات الإسرائيلية، كلها تضع الفلسطينيون عند مفترق استراتيجي. لقد انقضى زمن الاعتماد على وساطة الدبلوماسية الأميركية التقليدية.
إن من الواضح أن الحفاظ على البقاءُ الوطني يستلزم إعادة تأطير جذرية تبدأ بإعادة بناء الشرعية. إن الخطوة الأولى والأكثر إلحاحًا هي إقامة علاقة وثيقة وعملية مع اللجنة الوطنية الإدارية للقطاع وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية شاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة، بآليات تكفل المشاركة. وهذا هو المسار الوحيد للحفاظ على الروابط مع قطاع غزة ولإنتاج قيادة جديدة شرعية ذات تفويض شعبي. وبعد الانتخابات، يجب تشكيل حكومة وحدة وطنية ذات تفويض واضح للقيام بالإصلاح الداخلي المطلوب بما في ذلك ما يلي: استعادة الحوكمة الصالحة وتوفير الخدمات الأساسية في الصحة والتعليم والأمن لكلا المنطقتين؛ الالتزام التام بالقانون الأساسي وتعديل جميع التشريعات التي صدرت بعد عام 2007 المخالفة لذلك القانون؛ توحيد المؤسسات العامة في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ واتخاذ خطوات ذات مصداقية ضد الفساد، بما في ذلك إنشاء هيئة قضائية مستقلة لمكافحة الفساد.
بالتوازي مع ذلك، يجب إعادة بناء منظمة التحرير كمؤسسة فاعلة وتمثيلية لا قشرة فارغة. إن هذا يتطلب إجراء انتخابات لهيئاتها الحاكمة في الضفة الغربية وغزة والشتات، باستخدام جميع الوسائل التكنولوجية المتاحة لضمان مشاركة فلسطينية واسعة. يجب أن تتمتع منظمة التحرير الفلسطينية الجديدة بشرعية انتخابية، وأن يعاد تشكيلها لتشمل جميع الفصائل الرئيسية، وأن تلتزم بقواعدها وأنظمتها الداخلية، وألا تخضع بعد الآن لأهواء فرد واحد أو نخبة صغيرة. وفقط في ظل هذه الظروف يمكن لمنظمة التحرير الفلسطينية أن تعمل مرة أخرى كجهة وحيدة موثوقة للمفاوضات الدولية.
خارجيًا، يجب أن تبتعد الاستراتيجية الجديدة عن الارتهان أو الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة وأن تسعى نحو تبنى تعددية دولية قائمة على القيم والمبادئ. إن هذا يتطلب تعزيز التحالفات مع الدول الداعمة في الجنوب العالمي وفي أوروبا التي أظهرت التزامًا بالقانون الدولي. ويعني أيضًا التعامل مع قوى مثل الصين وروسيا ليس كمنقذين، بل كثقل جيوسياسي ذي قدرة على خلق حالة من التوازن في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لعرقلة المبادرات التي تضر بالمصالح الفلسطينية. علاوة على ذلك، يجب تحويل الاستخدام المنهجي للمؤسسات القانونية الدولية — مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية — من تكتيك إلى ركيزة استراتيجية أساسية. ستعيد هذه "الحرب القانونية" صياغة الصراع كنضال ضد احتلال غير قانوني ذي عواقب قانونية واضحة، مما ينقل عبء الامتثال إلى إسرائيل كدولة احتلال وداعميها الدوليين.
وأخيراً، يجب إعادة تعريف الهدف الوطني بما ينسجم مع اتجاهات الرأي العام العالمي والواقع على الأرض. فنظرًا للاتجاهات السياسية الراهنة داخل إسرائيل، يبدو نموذج حل الدولتين التقليدي غير واقعي حاليًا. وبينما لا ينبغي التخلي عن هدف الدولة ذات السيادة، فإن المسار الأجدى هو تحويل النضال الآني من صراع حول الدولة إلى تحقيق الحقوق غير القابلة للتصرف: تقرير المصير؛ المساواة المدنية والسياسية الكاملة لكل من يعيش بين النهر والبحر؛ والعدالة للاجئين على أساس القانون الدولي.
إن هذا الإطار القائم على الحقوق يتمتع بميزة استراتيجية؛ إذ يستند إلى تغيّر المزاج العالمي ويجبر العالم على الاختيار بين دعم الحقوق المتساوية أو تأييد نظام التفوق العرقي، ويحول النضال الفلسطيني من نزاع إقليمي مستعصٍ إلى حركة عالمية مناهضة للفصل العنصري — وهو ميدان ستكون فيه إسرائيل أكثر ضعفًا. كما يوفّر هذا الإطار استراتيجية قائمة على الوحدة الداخلية والتحالفات الدولية ونضالٍ حقوقي المسارَ، وهو المسار الأكثر فاعلية للفلسطينيين لاستعادة تأثيرهم وقرارهم المستقل. ومن الأهمية بمكان أن يُبقي الإطار القائم على الحقوق كلا الأفقين أو الحلين النهائيين—المساواة في دولة واحدة والسيادة في دولتين—مفتوحين، فيما يُقدّم الأولوية الآن لمعركة الحماية والحرية الملموستَين.
(4) الخلاصة:
كانت حرب غزة حدثاً مفصلياً حطم أوهام "إدارة الصراع" وكشف عن الاهتراء العميق في كل من النظام الدولي والنظام السياسي الفلسطيني. وقد خلقت التبعات بعيدة المدى لهذه الحرب مشهداً استراتيجياً جديداً وأكثر خطورة. وفي هذه البيئة، فإن الأطر المفروضة من الخارج، مثل خطة ترامب، التي تتجاهل القضايا الجوهرية المتعلقة بالشرعية السياسية والسيادة، مصيرها الفشل. فقد تحقق هذه الخطط هدنةً أو وقفاً مؤقتاً للقتل الجماعي، لكنها لا تستطيع بناء سلام دائم.
بالنسبة للشعب الفلسطيني، فإن المسار للمضي قدماً لا يكمن في أروقة العواصم الأجنبية، بل في العمل الشاق والجوهري للتجديد الوطني. إن أزمة القيادة العميقة ليست مجرد عرض من أعراض استعصاء الصراع؛ بل هي عقبة رئيسية أمام حله. والاستراتيجية الوحيدة القابلة للتطبيق هي تلك التي تبدأ بإعادة بناء الشرعية الداخلية من خلال انتخابات ديمقراطية ووحدة وطنية. حينها، يمكن لقيادة فلسطينية متجددة وتمثيلية أن تتحول إلى استراتيجية عالمية جديدة: استراتيجية تتجاوز العملية الفاشلة التي تقودها الولايات المتحدة، لتبني بدلاً من ذلك تحالفاً دولياً واسعاً يرتكز على القانون الدولي ومطلب غير قابل للتفاوض بالمساواة في الحقوق. هذا طريق طويل وشاق، لكنه الطريق الوحيد الذي يوفر فرصة لكسر حلقة العنف المأساوية، ومعالجة الأزمتين المزدوجتين المتمثلتين في الاحتلال والشرعية الداخلية، اللتين لا تزالان تعصفان بالشعب الفلسطيني.
[1] يجد القارئ هنا مقارنة مختصرة:
https://www.axios.com/2025/07/29/israel-military-gaza-us-approval-low-gallup-survey والمزيد من التفاصيل هنا: https://news.gallup.com/poll/692948/u.s.-back-israel-military-action-gaza-new-low.aspx
[2] يجد القارئ هنا مقارنة تفصيلية للنتائج خلال عامي الحرب:
[3] https://sadat.umd.edu/sites/sadat.umd.edu/files/Questionnaire%20July%20August%202025%2009122025.pdf
[4] أنظر لهذا التقرير من نوفمبر 2025:
https://www.npr.org/2025/11/07/nx-s1-5558286/israel-republicans-antisemitism-carlson, وهذا التقرير لقناة فوكس الإخبارية في يناير 2026:
https://foxbaltimore.com/station/share/republican-split-on-israel-grows-wider-amid-conservative-infighting-gaza-war-donald-trump-jd-vance-tucker-carlson-ben-shapiro-megyn-kelly-steve-bannon; https://mondoweiss.net/2025/12/new-poll-shows-young-republicans-turning-against-israel/
[5] Leon Hadar, “Israel Is Growing More Dependent on a Less Sympathetic United States,” The National Interest, July 1, 2025: https://nationalinterest.org/blog/middle-east-watch/israel-is-growing-more-dependent-on-a-less-sympathetic-united-states.
[6] يمكن مراجعة تقرير نيويورك تايمز هنا:
https://www.nytimes.com/2025/10/12/world/middleeast/israel-us-polls-support.html
[7] أنظر مثلا هنا:
https://yougov.co.uk/international/articles/52279-net-favourability-towards-israel-reaches-new-lows-in-key-western-european-countries, وتجد هنا ملخصا بنتائج هذه الاستطلاعات والتوجهات:
[8] يمكنك الحصول على التفاصيل المتعلقة بنتائج الباروميتر العربي لجولة 2023-24 هنا:
https://www.arabbarometer.org/2025/01/support-for-the-two-state-solution-is-shifting-unexpectedly/, and here: https://www.arabbarometer.org/media-news/press-release-foreign-affairs-article-how-arab-public-opinion-constrains-normalization-with-israel/
[9] يمكنك الاطلاع على استطلاعات المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية خلال فترة الحرب هنا:

