LeftTop

يُعد المرسوم الرئاسي الصادر في منتصف شهر كانون الثاني/يناير الماضي، أولى الخطوات العملية لإجراء انتخابات عامة تبدأ بإجراء انتخابات المجلس التسريعي لجهاز السلطة الفلسطينية في 22 أيار/مايو القادم. بعيداً عن مدى جدية وإمكانية إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثالثة، التي تأخرت أو أُخّرت لمدة أكثر من عشر سنوات، فإن على قوى اليسار الاستعداد لتلك الانتخابات وان تحدد ما تريد: هل هو مجرد البقاء أم العمل، رغم حجمها الصغير نسبيا، لتكون قوة ثالثة مؤثرة وفاعلة في النظام السياسي الفلسطيني.

تهدف هذه الورقة لمناقشة خيارات اليسار الراهنة في التعامل مع قضية الانتخابات التشريعية. تغطي الورقة ثلاثة خيارات هي: أن تخوض قوى اليسار الانتخابات التشريعية المقبلة ضمن قائمة وطنية مشتركة لمكونات منظمة التحرير الفلسطينية مع أو بدون حركة حماس، أو ضمن قائمة يسارية موحدة، أو بقوائم يسارية منفردة. ستقوم الورقة بإبراز بعض إيجابيات وسلبيات الخيارات المذكورة. وتنتهي بتقديم اقتراح استنهاض شمولي ووحدوي لقوى اليسار الفلسطيني.

خلفية      

إذا تم اجراء انتخابات تشريعية جديدة في شهر أيار/مايو القادم، فستكون الانتخابات الثالثة خلال 27 عاماً من تأسيس جهاز السلطة الفلسطينية، بعد انتخابات 1996 و2006. ستجري هذه الانتخابات حسب نظام مختلف عن الانتخابات السابقة وهو نظام التميل النسبي الكامل (القوائم). تشير نتائج استطلاع الرأي العام رقم (77) للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، إلى أنه لو جرت انتخابات تشريعية جديدة بمشاركة كافة القوى السياسية، فإن 61% يقولون بأنهم سيشاركون فيها، ومن بين هؤلاء المشاركين تحصل قائمة التغيير والإصلاح التابعة لحركة حماس على 34%، وفتح على 38%، وتحصل كافة القوائم الأخرى التي شاركت في انتخابات عام 2006 مجتمعة على 8%، وتقول نسبة من 20% أنها لم تقرر بعد لمن ستصوت. وفي التفاصيل، يُلاحظ أن 3 كتل (منها كتلتان تمثل 4 أحزاب/جبهات) من الكتل التي اجتازت نسبة الحسم في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، يُلاحظ أنها لن تستطيع اجتياز نسبة الحسم لو جرت انتخابات تشريعية اليوم مع مراعاة نسبة الخطأ +/-3% وتحول النظام الانتخابي لنظام التمثيل النسبي الكامل. في المقابل، قالت نسبة من 39% بأنها لن تشارك في الانتخابات.

كما يُستدل من نتائج الاستطلاع المذكور، فإن أحزاب وجبهات ما يُسمى "اليسار الفلسطيني" قد تخسر نصف مقاعدها التي حصلت عليها مجتمعة في الانتخابات التشريعية عام 2006 وقد كانت 9 مقاعد فقط من أصل 132 مقعداً. هذه الخسارة المتوقعة ناتجة عن فشل تلك الأحزاب والجبهات بالوفاء لمبادئها وبرامجها وقواعدها الجماهيرية. وبالرغم تنبهها إلى ذلك ومحاولتها تشكيل جسم يعبّرعن الحد الأدنى من وحدتها لتشكيل قوة ثالثة مثل "التجمع الوطني الديمقراطي" ما بين أيلول/سبتمبر 2018 وكانون الثاني/يناير 2019، إلا أن حسابات المصالح الضيقة خاصة لقيادات تلك الأحزاب والجبهات جعلتها تخسر فرصة أخرى لحمايتها من الاندثار والخروج من المشهد السياسي الفلسطيني. كما أن تجربة قائمة "البديل" في انتخابات عام 2006 والمكونة من ائتلاف الجبهة الديمقراطية وحزب الشعب وفدا، لم تكن تجربة ناجحة من حيث إقناع الجماهير بالتصويت لها لأنه كان ائتلافاً مؤقتاً ينتهي مع إعلان النتائج، حيث حصلت على مقعدان فقط في تلك الانتخابات.

على قوى اليسار أن تدرك بأن التقارب والاتفاق الحمساوي-الفتحاوي يعبر عن عمق الأزمة التي وصلت اليها الحركتان في قطاع غزة والضفة الغربية اللتين تحكمهما الحركتان بحكم الأمر الواقع، ولا يعبر عن الوحدة المزعومة لمواجهة التحديات التي يواجهها الفلسطينيون، وهذه ربما تكون فرصة للقوى الثالثة أو قوى جديدة لتقدم نفسها بديلاً لهما. فعٌمق أزمة حركة حماس يمكن التدليل عليه بموافقتها على مشروع حركة فتح القائم على حل الدولة الفلسطينية على حدود 1967 في الوقت الذي أصبحت فيه كثير من قيادات حركة فتح ذاتها ترى بأن هذا الحل قد بات مستحيلاً بل وقد شبع موتاَ، كذلك تراجع شعار مقاومتها المسلحة وحصرها من كونها استراتيجية إلى مجرد تكتيك، وهذا بدى واضحاً منذ دعمها ومن ثم تحكمها بمسيرات العودة التي بدأت في شهر آذار 2018، وكذلك حقيقة أن آخر مواجهة مسلحة حقيقية مع اسرائيل كانت في عام 2014 عوضاً عن الخلافات الواضحة بينها وبين حركة الجهاد الاسلامي حول ضبط وتوقيت استخدام السلاح.

 في المقابل، تبدو أزمة حركة فتح أكثر عمقاً وتعقيداً وعلى وشك التشظي بعد فشلها المدوي على مدار أكثر من ربع قرن في تحقيق برنامجها القائم على حل الدولتين، وفشلها كذلك في بناء مؤسسات قابلة لأن تكون نواة لمشروع الدولة، أما شعارات التدويل وتغيير وظيفة السلطة لم تسقط فحسب، بل جاءت بنتائج معاكسة ليأتي التطبيع العربي-الإسرائيلي ويضع فتح وسلطتها في زاوية المناورة المحدودة والرضوخ أو الثورة التي لم تعُد مؤهلة لها. أما استراتيجية المقاومة الشعبية التي تبنتها كافة فصائل منظمة التحرير بالإضافة لحركتي حماس والجهاد الاسلامي في اجتماع "الأمناء العامين" بتاريخ 3 أيلول/سبتمبر 2020 الذي عقد، كما قيل، للتصدي لصفقة القرن وموجة التطبيع العربي-الاسرائيلي. لقد مضى أكثر من ستة شهور على بيان قيادة المقاومة الشعبية الأول دون صدور البيان الثاني، وهذا دليل بأن هناك عجزاً في توصيف المرحلة والبرنامج والأدوات المناسبة لها ونتيجةً لهذا العجز لم يلقى البيان الأول ودعوات كافة الفصائل لتفعيل المقاومة الشعبية أي تجاوب من الجمهور. وهنا لابد من الإشارة إلى أنه حسب استطلاعات المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، فإن برنامج الحل القائم على حل الدولتين قد تراجع تأييد الفلسطينيين له من 55% عام 2011 إلى 39% فقط في 2020، بل أن 62% يرون أنه لم يعُد حلاً عملياً بسبب التوسع الاستيطاني الاسرائيلي. بالرغم من تأييد كل الأحزاب والحركات الفلسطينية له (بما فيها حركة حماس وعدم معارضة الجهاد الإسلامي). في المقابل، ارتفع تأييد حل الدولة الواحدة في فلسطين التاريخية بحقوق متساوية لكل مواطنيها من 27% عام 2011 إلى 37% في 2020 بالرغم من عدم تبني أي حزب أو حركة فلسطينية لهذا الحل.

إن الثنائية الحمساوية-الفتحاوية القائمة على المحاصصة والمصالح الحزبية، والتي نسيت أو تناست أنها حركات تحرر وطني، ليست ثنائية حقيقية قائمة على قناعة الجماهير بهما، ولكنها ستبقى كذلك باستمرار غياب قوة ثالثة حقيقية. الفلسطينيون اليوم متعطشون لحزب أو حركة قادرة على استنهاض طاقاتهم وآمالهم بمخاطبة عقولهم وتقديم رؤى وبرامج ثورية وواقعية.

الخيارات المتاحة والفرصة السانحة:

حسب نتائج الاستطلاع المذكور أعلاه، وبعد جمع نسبة الذين لن يُشاركوا في الانتخابات (39%) ونسبة الذين لم يقرروا بَعد لمن سيصوتون (20%من نسبة 61% الذين قالوا بأنهم سيشاركون) تكون نسبتهم 51% من مُجمل الفلسطينيين الذين يحق لهم الانتخاب. إذن، هناك فرصة حقيقية لحزب أو تيار أو حركة جديدة لإقناع 39% عن العدول عن قرارهم بعدم المشاركة حيث يُعتقد أن السبب الرئيسي في عدم رغبة المشاركة لدى نسبة كبيرة من هؤلاء هو عدم ثقتهم بالأحزاب والحركات الموجودة، وربما أيضاً لعدم قناعتهم ببرامجها. وكذلك هناك فرصة لإقناع 20% من الذين قالوا بأنهم سيشاركون في الانتخابات ولكنهم لم يقرروا بعد لمن سيصوتون (12% من مجمل من يحق لهم الانتخاب)، وحتى هناك فرصة للتنافس أيضاً على أصوات الذين قرروا لمن سيعطون أصواتهم إذا ما كان الحزب أو الحركة الجديدة قادرة على تقديم برنامج جديد ومختلف وربما ثوري من حيث البرنامج والأدوات، وبذلك قد تصل نسبة الذين يمكن العمل على اقناعهم إلى أكثر من 50% من مُجمل الفلسطينيين الذين يحق لهم الانتخاب. بكلمات أخرى، إذا استطاع حزب أو حركة جديدة إقناع 25% فقط من مُجمل الفلسطينيين الذين يحق لهم الانتخاب، سيتفوق هذا الحزب على حركتي فتح وحماس ويكون القوة الأولى في المجلس التشريعي.

أمام اليسار الفلسطيني خيارات ثلاثة تتراوح بين خيار بقاءه الرمزي في النظام السياسي كما في خيار القائمة الوطنية المشتركة، إلى خيار احتمال دور مؤثر محدود ومشروط بعدم تحالف حركتي فتح وحماس كما في خيار القائمة اليسارية الموحدة. وأخيراً خيار يخاطر به اليسار بزيادة ضعفه وربما يُغيبه عن المشهد السياسي تماماً كما في خيار القوائم اليسارية المنفردة:

(1) القائمة الوطنية المشتركة

بالإشارة إلى مخرجات الحوار بين حركتي حماس وفتح بشكل خاص والفصائلي بشكل عام، الذي كان آخرها في القاهرة في الثامن والتاسع من شهر شباط/فبراير الماضي. يبدو أن فكرة خوض الانتخابات التشريعية المقبلة بقائمة مشتركة تضم حماس وفتح وباقي فصائل منظمة التحرير، تُدرس بجدية من قبل الهيئات الرسمية لحركتا فتح وحماس.

 ربما تريد فتح من خلال هذه القائمة المشتركة محاولة حماية الحركة من التشظي شبه المؤكد في صفوفها بمحاصرة قياديين بارزين فيها بحيث لا يقوموا بتشكيل قوائم خارج القائمة الرسمية لفتح (قائمة الرئيس). تشير نتائج استطلاع لرأي العام الفلسطيني للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، بأنه إذا ما قام القيادي الفتحاوي مروان البرغوثي بتشكيل قائمة خارج القائمة الرسمية لفتح، ستحصل قائمته على 25% من الأصوات مقابل 19% للقائمة الرسمية لفتح، وكذلك إذا ما قام القيادي محمد دحلان بتشكيل قائمة خارج القائمة الرسمية لفتح، تحصل قائمته على 7% من الاصوات مقابل 27% للقائمة الرسمية لفتح. وفي الحالتين، ستخسر قائمة فتح "الرسمية" مقابل قائمة حركة حماس التي ستحصل على حوالي 33% من الأصوات. أما حماس، فقد تكون خضعت لفكرة تقاسم السلطة والمحاصصة، فلم تكن وفية للأصوات التي منحتها الأغلبية في الانتخابات التشريعية الماضية.  ربما ترى حماس في القائمة المشتركة فرصة لبداية انضمامها وتمثيلها الفاعل في مؤسسات منظمة التحرير وفرصة للتخلص من أعباء الحكم في غزة، وكذلك فرصة لاعتراف المجتمع الدولي بها، الذي قاطع الحكومة التي شكلتها بعد فوزها بأغلبية المجلس التشريعي عام 2006.

أما قوى اليسار (الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية، المبادرة الوطنية، حزب الشعب والاتحاد الديمقراطي- فدا)، فيبدو أنها عاجزة وترى في "القائمة المشتركة" طوق نجاة للبقاء الرمزي لها كما هو حالها الآن في المشهد السياسي، بعد الفشل المتراكم لأدائها وانفضاض معظم كوادرها وقواعدها الشعبية عنها. وستخاطر بعدم حصولها على نسبة الحسم وبالتالي خروجها من المشهد السياسي إن خاضت الانتخابات التشريعية المقبلة بشكل منفرد.  إذا أرادت قوى اليسار الفلسطيني الحفاظ على وجودها الرمزي الحالي والاستغناء عن طموح القوة البديلة أو المؤثرة. عليها الانضمام إلى القائمة المشتركة مع حركتي فتح وحماس إن تم التوافق على مثل هذه القائمة. أو الانضمام إلى قائمة مشتركة مع فتح وكل فصائل منظمة التحرير.

من ايجابيات هذا الخيار بأنه الأسهل لتسويقه بأنه خيار وحدوي تطلبه المرحلة، ليبقي قوى اليسار في المشهد السياسي واعطائها فرصة زمنية لمحاولة إصلاح أوضاعها. كذلك من المتوقع أن تساهم حركتا فتح وحماس بالجزء الأكبر من تكلفة الحملة الدعائية الانتخابية لهذه القائمة وبالتالي سيعفي ذلك قوى اليسار من تكاليف مالية هي بأمس الحاجة لها. ولكن، من سلبيات هذا الخيار بأنه يبقيها قوى غير مؤثرة وتابعة لسطوة الحزبين الكبيرين حيث من غير المتوقع أن توافق حركتا حماس وفتح بإعطاء هذه القوى حجما ً (عدد مقاعد) أكثر مما أحرزته مجتمعة في انتخابات 2006. وبالتالي أيضاً حضورها وتأثيرها في حكومة الوحدة الوطنية المرجحة بعد الانتخابات سيكون محدوداً، فتوافق حركتي حماس وفتح، ربما سيلغي حاجة فتح لاستخدام هذه الفصائل مثل إعطاء كل من تلك القوى حقيبة وزارية كما كان يجري في السابق. كذلك يحرم هذا الخيار قوى اليسار من التميز (إن وجد) في برامجها.

(2) قائمة يسارية موحدة

يوجد فرصة كبيرة للقوى الثالثة الموجودة أو لقوى جديدة خاصة إذا كانت قائمة على قيادة شابة جديدة لم تتلطخ بفساد السلطة والأحزاب. وهذه دعوة إلى كل شباب وشابات اليسار الفلسطيني بشكل خاص وكافة شباب وشابات فلسطين بشكل عام (الذين بفئتهم العمرية بين 18-39 سنة تزيد نسبتهم عن أكثر من 60% من مجمل أصحاب حق التصويت وأن أكثر من نصف الناخبين سيكونون من الناخبين الذين يحق لهم التصويت لأول مرة في حياتهم وهم من الفئة العمرية 18-32 سنة) بأن يثقوا بأنفسهم وعدم التردد من تقديم رؤى وبرامج تحررية نضالية جديدة تخاطب عقول الجماهير ليس على الطريقة "البراغماتية" الاستسلامية أو العسكرية المدمِرة، بل على طريقة الإيمان بأن إرادة ووحدة الجماهير الملتحمة والتي تثق بقيادتها قادرة على صُنع المعجزات. 

على قوى اليسار أن تدرك بأن جمهورها لم يعُد يقبل بأي عذر لاستمرار وجود هذا الكم من الأحزاب والجبهات اليسارية غير الفاعلة. خاصة أن أسباب الفشل الرئيسية لكل محاولات جهود توحيد قوى اليسار، يرجعها الكثيرين لأسباب ومصالح خاصة بقيادات تلك الأحزاب والجبهات. وكذلك لا يوجد سبب برامجي أو أيديولوجي يعيق هذه الوحدة.

من ايجابيات خيار تشكيل قائمة يسارية موحدة بأنه قد يسترجع بعض الثقة المفقودة في أحزاب وجبهات اليسار الفلسطيني. وقد جرت على هذا الخيار حوارات عدة لإنجازه، وبالتالي يمكن البناء عليها ليسهل الوصول له في زمن قصير (قبل انتهاء فترة الترشح في 31 آذار القادم). كذلك، هذا الخيار يضاعف من فرص حصول هذه القائمة على عدد مقاعد يؤهلها لبناء تحالف مع فتح أو حماس إذا ما خاضتا الحركتان الانتخابات بشكل منفصل ولم تحصل أي منهما على أغلبية في المجلس التشريعي. ولكن من سلبيات هذا الخيار بأنه إذا تحالفت حركتا حماس وفتح قبل أو بعد الانتخابات سيبقي هذه القوى ضعيفة. فلو ضاعفت هذه القوى من عدد مقاعدها مقارنة بانتخابات 2006، لن ترقى لمستوى القوة المؤثرة خاصة إذا لم تُحسن قراءة الوضع الراهن وتقديم برامج تتجاوز أسباب الفشل في تحقيق برامجها، وكذلك إذا لم تأتي بوجوه جديدة في قائمتها، وسيكون من الأفضل التحالف مع قوى اجتماعية وشخصيات مستقلة قريبة من اليسار ولها حضور مثل حراك "وعد" من أجل الوطن والعدالة والديمقراطية، الذي أعلن عن تشكيله في مؤتمر صحفي بتاريخ 27/2/2021 في مدينة رام الله، وقد أعلن الحراك بأنه ليس "كتلة انتخابية"، بل سيدعم كتلاً يراها قريبة من القضايا والمبادئ التي يتبناها الحراك. ومن الواضح أن معظم المبادرين لتأسيس هذا الحراك هم من أعضاء وكوادر ذات خلفيات يسارية. وبالحديث عن الحركات الاجتماعية، لا بد أن نستذكر بُعد الحركات اليسارية عن هموم وحاجات المواطنين، وبالتالي العجز عن قراءة المشهد بشكل صحيح، نستذكر الحراك الشعبي لإسقاط "قانون الضمان الاجتماعي" في عامي 2018/2019 الذي كان أحد أهم أساب الاطاحة بالحكومة السابقة، فقد أيدت أو لم تعارض معظم قوى اليسار القانون المذكور، بل إن القيادة دفعت بقيادات يسارية إلى الواجهة للدفاع عن قانون الضمان الاجتماعي ومحاولة اقناع الجماهير به وعدم معارضته، قبل أن يُجبر الحراك الرئيس التراجع عن مرسوم القانون ووقف تنفيذه.

(3) قوائم يسارية منفردة

في حال فشل التوصل إلى الخيارات السابقة، وبالإشارة إلى عدم حدوث تغيير في معظم أو كل صانعي القرار في قوى اليسار منذ انتخابات 2006، قد تختار قوى اليسار خوض الانتخابات القادمة بقوائم منفردة أو ائتلافات شبيهة بائتلاف قائمة "البديل" في انتخابات 2006. من ايجابيات هذا الخيار يتيح لقوى اليسار الفرصة لتقديم برامج ورؤى خاصة بها دون الحاجة للمساومة عليها كما في الخيارات السابقة. كذلك يتيح لها هامش حرية ومناورة أكبر لائتلافات محتملة بعد الانتخابات. فقد تحصل واحدة أو أكثر من هذه القوى على عدد مقاعد يجبر حركتا فتح أو حماس للائتلاف معها حيث من غير المرجح بأن تحصل أي من الحركتين على أغلبية تمكنها من تشكيل حكومة لوحدها. أما من سلبيات هذا الخيار بأن بعض القوى ستخاطر بعدم حصولها على نسبة الحسم وبالتالي مضاعفة ضعفها وربما التلاشي، باستثناء "الجبهة الشعبية" التي ربما تعتقد بأنها ما زالت تحتفظ بحضور وقاعدة شعبية تمكنها من تجاوز نسبة الحسم، ولكنه لن يكون كافياً لجعلها قوة مؤثرة. كذلك إن الحملات الدعائية الانتخابية المنفردة لكل قائمة ستضاعف وتستنزف الموارد المالية لتلك القوى التي هي بأمس الحاجة لها، وهذا سيكون ثمن خضوع قوى اليسار وعدم الدفاع عن حقها غير المشروط في حصتها المالية من الصندوق القومي، والسماح لحركة فتح ورئيسها بالاستفراد بها وابتزازها في أكثر من مناسبة. وربما سيقود تلك القوى للمساومة على مبادئها بعد لانتخابات.

ما العمل؟

لتكون قوة ثالثة فعالة فإن قوى اليسار مطالبة اليوم بأن تضاعف جهودها ليس فقط للحفاظ على ما يُبقيها في المشهد السياسي الفلسطيني كما في الخياران الأول والثاني، بل لتسهم في تحديد التوجه الفلسطيني القادم داخلياً وفي العلاقة مع إسرائيل. على أحزاب اليسار وجبهات القوى الثالثة في منظمة التحرير أو حركات جديدة، إن كانت تريد بأن تكون قوة بديلة أو قوة ثالثة مؤثرة، مراجعة ودراسة أسباب أزمة "المشروع الوطني" وواقع ومستقبل منظمة التحرير وبرنامجها التحرري. كذلك على أحزاب وجبهات القوى الثالثة دراسة أسباب فشل الاستراتيجيات (الشعارات) سابقة الذكر وإعادة النظر في قراءة وتوصيف الوضع الراهن لتكون قادرة على تقديم برنامج وأدوات حقيقيه بعيداً عن الشعارات. وهذا يتطلب إعادة النظر في ركائز الوضع الراهن وكيفية التعامل معها. فمثلاً، تصف الكثير من قيادات هذه الأحزاب والجبهات الوضع القائم بين النهر والبحر بأنه واقع دولة واحدة تحكمه اسرائيل ب “نظام أبارتهايد"، وهذا صحيح، ولكن كيف يمكن تسويق هذا الواقع للعالم لإنهائه باستمرار وجود جهاز السلطة الفلسطينية؟! وهنا لابد من التذكير من أن غالبية الجمهور الفلسطيني (55%) يرى في استمرار وجود السلطة الفلسطينية عبئاً عليه وعلى قضيته.

على قوى اليسار إن أرادت بأن تكون قوة بديلة أو قوة ثالثة مؤثرة، أن تقوم بتغيير دراماتيكي يُعيد ثقة كوادرها وقواعدها الشعبية بها. عليها أن تقوم بخطوات عملية وسريعة مثل أن تقوم كل جبهة/حزب من قوى اليسار بانتخاب أو اختيار لجنة للوحدة والانتخابات من خارج الهيئات القيادية لكل جبهة/حزب لأن هذه الهيئات أثبتت أنها جزء من المشكلة ولا يمكن أن تكون جزءاً من الحل. إن الجمهور متلهف لرؤية وجوه جديدة وشابة. يمكن أن يكون كل أعضاء هذه اللجان مرشحين للانتخابات التشريعية المقبلة في قائمة يسارية موحدة. على هذه اللجان أن تختلي بنفسها لعدة أيام لتنتخب لجنة قيادية من بينها من 21 عضواً (تسمى اللجنة العليا للوحدة) على أن يكون ممثل واحد على الأقل من كل حزب/جبهة وتحسم هذه اللجنة قراراتها بالأغلبية المطلقة (50%+1)، لتقوم بإعداد البرنامج الانتخابي وكل ما يتعلق بالحملة الانتخابية وتكون قراراتها ملزمة للأحزاب والجبهات المشاركة.

من سلبيات هذا الاقتراح ضيق الوقت (قبل انتهاء فترة الترشح في 31 آذار القادم). كذلك قد لا توجد إرادة حقيقية لدى قيادات القوى المستهدفة للتنازل عن الامتيازات التي تحظى او حظيت بها وتسعى للتمسك بها. في المقابل، من ايجابيات هذا الاقتراح أنه قد يكون قادراً على استعادة ثقة واستنهاض طاقات كافة كوادر وقواعد قوى اليسار، بل ويكون انطلاقة جديدة قادرة على استقطاب فئات عريضة من مجمل المجتمع كما ذكر سابقاً. يضاعف العمل بهذا الاقتراح من احتمال حُسن قراءة الوضع الراهن وتقديم برامج تتجاوز أسباب الفشل للاستراتيجيات (الشعارات) المذكورة سابقاً. إذا حصل ذلك، سيكون لقوى اليسار بواقعها الجديد حضور قوي ومؤثر في النظام السياسي سواء كانت جزء من الحكومة أو المعارضة.

Arabic

The presidential decree issued in mid-January is the first practical step for holding general elections, starting with elections for the Legislative Council of the Palestinian Authority on May 22. Regardless of the seriousness and possibility of holding the third Palestinian legislative elections, which were delayed or caused to be delayed for more than ten years, the forces of the left must prepare for these elections and decide what they want: is it merely survival, or working, despite their relatively small size, to be a third, effective force in the Palestinian political system? 

This paper aims to discuss the left’s current options in dealing with the issue of legislative elections. It covers three such options: for the left-wing forces to contest the upcoming elections within a joint national list entailing components of the Palestine Liberation Organization (PLO), with or without Hamas, or as a unified left list, or with individual left lists. This paper highlights some of the advantages and drawbacks of these options. It ends with a proposal for a comprehensive, unified mobilization of the forces of the Palestinian left.

 

Background

If new legislative elections are held next May, they will be the third elections in 27 years since the establishment of the Palestinian Authority apparatus, after the elections of 1996 and 2006. These elections will be held through a different system from the previous ones, a full proportional representation system. The results of Public Opinion Poll No. 77 of the Palestinian Center for Policy and Survey Research indicate that, if new legislative elections are held with the participation of all political forces, 61% say that they will participate in them. The Hamas Change and Reform List will gain 34%, Fatah, 38%, and all other lists that had participated in the 2006 elections will gain 8% in total, while 20% have not yet decided who they will vote for. The findings indicate that 3 blocs (including two electoral lists, representing 4 parties/factions) who have passed the electoral threshold in the 2006 legislative elections, will not be able to do so if legislative elections are held today, taking into account a margin of error of +/- 3% and the transformation of the electoral system into one of full proportional representation.

As evidenced by the results of the aforementioned poll, the parties and fronts of the so-called Palestinian left may lose half their seats that they had collectively gained in the 2006 legislative elections, which were only 9 out of 132 seats. This expected loss is the result of the failure of these parties and fronts to maintain their principles and goals and implement their programs. Despite their awareness of this and their attempt to form a body that expresses minimum unity as a third force, such as the National Democratic Union that came into existence between September 2018 and January 2019, the calculations, based on narrow interests of the leaders of these parties and fronts, have caused them to lose another opportunity to protect themselves from extinction and prevent their exit from the Palestinian political scene. The experience of the Alternative List in the 2006 elections, which consisted of the Democratic Front coalition, the People’s Party, and the Palestinian Democratic Union (FIDA), was not a successful experiment in terms of persuading the masses to vote for it, because it was a temporary coalition that ended with the announcement of results, winning only two seats in those elections.

The forces of the left must realize that the Hamas-Fatah rapprochement and agreement express the depth of the crisis that the two movements have reached in the Gaza Strip and the West Bank, and do not express the alleged unity required to face the challenges witnessed by the Palestinians. This may be an opportunity for third or new forces to present themselves as alternatives. The depth of the Hamas crisis can be evidenced by its approval of the Fatah movement’s project based on the solution of a Palestinian state on the 1967 borders, at a time when many leaders of the Fatah movement themselves believe that this solution has become impossible and long dead. Likewise, the Hamas slogan of armed resistance has retreated from being a strategy to a mere tactic. This is evident in Hamas’ support, and then control, of the Return Marches that began in March 2018, as well as the fact that the last real armed confrontation with Israel was in 2014, and the various disputes between Hamas and Islamic Jihad about controlling and timing the use of arms.

On the other hand, the Fatah movement’s crisis appears to be deeper and more complex, leading it to the verge of fragmentation after its resounding failure, for more than a quarter of a century, to achieve its program based on the two-state solution, as well as its failure to build institutions capable of forming the nucleus of the state project. The slogans of “internationalization” and “changing the PA mandate” have not merely fallen, but brought the opposite results, ushering in Arab-Israeli normalization that has placed Fatah and its leadership in a spot of limited maneuver and submission, or a revolution for which it is no longer qualified.  The call for a popular resistance strategy-- which was adopted by all PLO factions, as well as Hamas and Islamic Jihad, in the meeting of the general secretaries on September 3, 2020, which was held, allegedly, to confront the Deal of the Century and the wave of Arab-Israeli normalization-- has proven to be mere lip service. It has been more than six months since the first statement of the so-called Popular Resistance leadership, without the issuance of a second statement. This is evidence of a deficiency in describing the era, the program, and the appropriate tools. As a result, the call for popular resistance did not receive any response from the public. It should be noted that, according to the Palestinian Center for Policy and Survey Research, Palestinian support for the two-state solution has declined from 55% in 2011 to 39% in 2020 despite the support it has from all Palestinian parties and movements (including Hamas, and with no objection from Islamic Jihad). Moreover, 62% of the public believe that this solution is no longer practical due to Israeli settlement expansion, Support for the one-state solution in historic Palestine, with equal rights for all its citizens, has risen from 27% in 2011 to 37% in 2020, despite the fact that no Palestinian party or movement has adopted this solution.

The Hamas-Fatah dyad, based on partisan quotas and interests, which has forgotten or ignored their roles as national liberation movements, is not a true division, one based on the beliefs of the masses that support them. But it will remain as such in the absence of a real, third force. Palestinians today are thirsty for a party or a movement capable of mobilizing their energies and hopes, one that addresses their minds and present a revolutionary and a realistic vision and program.

Options and a window of opportunity

According to the results of the aforementioned poll, and after adding the percentage of those who will not participate in the elections (39%) and those who have not yet decided whom they will vote for (20% of the 61% who said they will participate), the total comes to 51% of all Palestinians who are entitled to vote. Thus, there is a real chance for a new party, faction or movement to convince the 39% to participate. It is believed that the main reason for the unwillingness to participate, among a large proportion of these, is their lack of confidence in the existing parties and movements, and also, perhaps, because they are not convinced of their programs. There is also a chance to reach out to the 20% of those who plan to participate in the elections, but have not yet decided to whom they will vote (12% of the total number eligible to vote). There is even an opportunity to compete for the votes of those who have already decided whom they will vote for, if the new party or movement is able to present a new, different, and perhaps revolutionary program, in terms of its nature and tools. Thus, the percentage of those who can be persuaded may reach more than 50% of all Palestinians who are entitled to vote. In other words, if a new party or movement is able to convince only 25% of all Palestinians who are entitled to vote, this party will outperform Fatah and Hamas and become the largest force in the Legislative Council.

The Palestinian left has three options. The first is to maintain a symbolic presence in the political system, as in the first option below. The second is to seek to exercise an influential role, by creating a unified left. This option however is dependent on the failure of Fatah and Hamas to create a joint list of their own. Finally, there is an option in which the left risks increasing its weakness, and possibly eradicating it completely from the political scene, in the form of individual lists of left parties.

(1) Joint National List

With reference to the outcomes of the dialogue between Hamas and Fatah, in particular, and other factions, in general, the last of which was held at Cairo on February 8 and 9, it appears that the idea of running in the next legislative elections with a joint list that includes Hamas, Fatah and the remaining PLO factions is under serious consideration by the official bodies of Fatah and Hamas.

Fatah may wish, through this joint list, to protect the movement from the almost certain fragmentation in its ranks, by restricting the ability of its prominent leaders to form electoral lists outside the official list of Fatah (the President’s list). The results of a public poll by the Palestinian Center for Policy and Survey Research last December indicated that, if Fatah leader Marwan Barghouti forms a list outside the official list of Fatah, his list would gain 25% of the votes, compared to 19% for the official list of Fatah. Similarly, if Mohammed Dahlan forms a list outside the official list of Fatah, his list would gain 7% of the votes, compared to 27% for the official list of Fatah. In both cases, the “official” Fatah list will lose to Hamas, which will receive about 33% of the votes. As for Hamas, it may have submitted to the idea of power-sharing and quotas, as it was not faithful to the votes cast by the majority in the last legislative elections. Perhaps Hamas sees the joint list as an opportunity for the beginning of its accession to and effective representation in PLO institutions, and an opportunity to be rid of the burdens of governance in Gaza, as well as an opportunity for its recognition by the international community, which has boycotted the government formed by Hamas after it won the majority of seats in the Legislative Council in 2006.

As for the forces of the left (Popular Front, Democratic Front, National Initiative, People’s Party and the Democratic Union – FIDA), they seem to be powerless, seeing in the joint national list a lifeline for their symbolic survival on the political scene, after the accumulated failure of their performance and the dissolution of most of their cadres and popular bases. There is a risk that most of them will not be able to reach the threshold, and thus may fall out of the political scene, if they run the upcoming legislative elections individually. If the forces of the Palestinian left want to preserve their current symbolic existence and dispense with the ambition of an alternative or influential force, they must join the joint list with Fatah and Hamas if such a list is agreed upon, or enter a joint list with Fatah and all the PLO factions. One of the advantages of this option is that it is easy to market as a unification option required by the current conditions, to keep the forces of the left in the political scene and give them an opportunity to try to reform their situation. It is also expected that the Fatah and Hamas movements will contribute to the bulk of the cost of the electoral campaign for this joint list, thus relieving the left of much-needed financial costs. However, among the drawbacks of this option is that it keeps these forces ineffective and under the influence of the two major parties, as it is not expected that Hamas and Fatah will agree to give these forces a weight (number of seats) greater than what they had jointly gained in the 2006 elections.Their presence and influence in the likely national unity government after the elections will be limited, as the Hamas-Fatah collusion may eliminate Fatah’s need to appease these factions by giving them ministerial portfolios, as was the case in the past. This option also denies the left the distinction (if any) in its programs.

(2) United Left List

There is a great opportunity for existing third forces or for new powers, especially if they are based on a new, young leadership that has not been tainted by the corruption of the Authority and the factions that constitute it. This should be seen as a call to all young men and women of the Palestinian left, in particular, and to all young men and women of Palestine, in general (who, in the 18-39 years age group, account for more than 60% of those with the right to vote, and, for more than half of the voters, it will be the first time in their lives that they are entitled to vote, being in the 18-32 years age group) to trust themselves and not to hesitate to present new, emancipatory visions and programs of struggle that address the minds of the masses, not in the defeatist “pragmatism” or the destructive militarism way, but in the belief that the will and unity of the masses, which trust their leadership, is capable of working miracles. 

The forces of the left must realize that their audience no longer accepts any excuse for the continued existence of this number of ineffective left-wing parties and fronts, especially that the key reasons for failure of all attempts to unify the left forces are considered by many as due to reasons and interests of particular leaders of those parties and fronts. Further, there is no programmatic or ideological reason that hinders this unity. Thus, one of the advantages of the option of a united left list is that it may restore some lost confidence in the parties and fronts of the Palestinian left. Several attempts have been made to accomplish this outcome. One should build on these efforts in order to achieve it in a short period of time (before the end of the candidacy period on March 31). Also, this option doubles the chances for this list to gain a number of seats that enable it to build an alliance with Fatah or Hamas, if the two parties run in the elections separately and neither gains a majority in the Legislative Council. However, one of the drawbacks of this option is that, if Hamas and Fatah are allied before or after the elections, these forces will remain weak. Even if these forces double their number of seats compared to the 2006 elections, they will not be able to rise to the level of an effective force if they do not properly appraise the conditions of the country and offer programs that treat the malaise in our political system while addressing the reasons for their own previous failures, including the inability to bring forth new leaders.  The leftist forces will do better if they ally themselves with social forces and independent figures that are close to their ideology while having a a presence at the grassroot level, such as the “Wa’ad” (promise) movement for homeland, justice and democracy, which announced its formation at a press conference on February 27, 2021, in Ramallah. The movement has declared that it is not “an electoral bloc”, but will support the lists seen as close to the issues and principles that the movement upholds. It is clear that most of the initiators of this movement are members and cadres with leftist backgrounds. We should keep in mind that the left today is not engaged with the needs and concerns of citizens, and, thus, its ability to properly decipher the public scene is hampered. It should remember the popular movement to bring down the Social Security law in 2018/2019, which was one of the most important reasons leading to overthrow of the previous government. Most of the leftist forces either supported or did not oppose the aforementioned law. Rather, the leadership pushed leftist leaders to the forefront to defend that law and try to convince the masses of its value. Eventually, the movement forced the PA president to abandon the law and stop its implementation.

(3) Individual Left Lists

In the event of failure to achieve the previous options, and given the fact that there has been no change in most or all of the top decision-makers in the forces of the left since the 2006 elections, these forces may choose to run in the next elections through separate lists or in coalitions similar to Badil (alternative) that ran in the previous election. one of the advantages of this option is that it gives the forces of the left the opportunity to present their own pure programs and visions, without having to compromise. It also gives them a greater margin of freedom and maneuver for potential coalitions after the elections. One or more of these forces may gain a number of seats that would force Fatah or Hamas to seek their participation in the next government, as neither Fatah nor Hamas are likely to obtain a majority that would enable it to form a government on its own. A drawback of this option is that some forces would risk failing to meet the threshold condition, thus increasing their weakness, potentially fading out, with the exception of the “Popular Front” which probably believes that it retains its presence and base of popularity to enable it to pass the threshold. Yet, this will not suffice to make it an influential force. Likewise, individual electoral campaigns for each list will multiply the demands on and deplete the financial resources of those forces that are in dire need of them. The left’s lack of financial resources has been the price it paid for submitting to the dictates of the PLO leadership which denied it the right to its legitimate share in the National Fund, allowing Fatah and its president to monopolize these resources and blackmail them on more than one occasion. Under this option, leftist factions will be forced to compromise further on their principles after the elections.

What to do?

To be an effective third force, the factions of the left must double their efforts, today, not only to maintain a presence in the Palestinian political scene, as in the first and second options, but to contribute to determining the next Palestinian domestic direction and the future direction of the relationship with Israel. The left and other third party fronts in the PLO, along with newly emerging parties wishing to be an alternative or influential third force, must review and study the causes of the “national project’s” crisis and the reality and the future of the PLO and its liberation program. The parties and fronts of the third force must also study the causes of failure of the aforementioned strategies and reconsider the reading and characterization of the status quo to be able to provide real programs and tools, removed from slogans. This requires a review of the pillars of the status quo and how to deal with them. For example, many leaders of these parties and fronts describe the situation that exists between the river and the sea as a reality of one state, ruled by Israel as “an apartheid system.” This is true, but how can this reality be marketed to the world to end it, given the continued existence of the PA apparatus? Here, it must be recalled that the majority of the Palestinian public (55%) sees the continued existence of the PA as a burden on it and on its cause.

The forces of the left that wish to become an alternative influential third force must instate a dramatic change that restores the confidence of their cadres and popular bases in them. They must take quick, practical steps, for example by electing or selecting a committee for unity and elections, from outside the governing bodies of each front/party, because these bodies have proved that they are part of the problem and cannot to be part of the solution. The public is eager to see new, young faces. The members of these committees may all be candidates for the upcoming legislative elections on a united left list. These committees should convene for several days to elect a leadership committee of 21 members from among them (it should be named the Higher Committee of Unity), with one representative, at least, of each party/front. This committee should make its decisions by an absolute majority (50%+1), in order to prepare the election program and everything related to the election campaign, and its decisions should be binding for the participating parties and fronts.

Among the disadvantages of this proposal is the lack of time (before the end of the candidacy period on March 31). Also, there does not seem to be real will among the leaders of the target forces to waive the privileges that they currently enjoy; rather, they will probably seek to uphold them. On the other hand, one of the advantages of this proposal is that it may be able to restore the confidence and energies of all the cadres and bases of the left forces, and may even represent a breakthrough, capable of attracting broad groups of society, as mentioned previously. This proposal, if adopted, make it more likely that the left will be better prepared to understand the nature of the status quo and present a political program that bypasses the challenges that led to the failure of previous strategies and slogans. If this happens, the leftist forces, with this new reality, will have a strong and influential presence in the political system, whether they are part of the government or the opposition.

 

English

في الثاني من تموز/ يوليو 2020 عقد كل من اللواء جبريل رجوب عضو اللجنة المركزية لحركة فتح وصالح العاروري نائب رئيس المكتب الساسي لحركة حماس مؤتمرا صحفيا مشتركا، بعد قطيعة دامت أكثر من عامين، في إطار مواجهة خطة الضم الإسرائيلية. لكن هذا المؤتمر لم يتضمن تصورا لكيفية انهاء الانقسام واستعادة الوحدة بعد مرور ثلاثة عشر عاما على الانقسام الفلسطيني الداخلي، ومن غير الواضح قدرة هذا اللقاء والحوارات اللاحقة بين الحركتين على إحداث تحول أو خلق أفق لتسوية تعيد اللحمة السياسية للكيان الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة.

بقيت الحلول المطروحة لاستعادة الوحدة وانهاء الانقسام طموحة منذ اتفاق القاهرة عام 2011، فإما الوحدة الاندماجية أو البقاء على حالة الانفصال المؤسساتي بينهما، وبقيت تراوح مكانها دون أمل بتجاوز العقبات القائمة، ودون تخفيف من أطماع الأطراف في الهيمنة والسيطرة على الطرف الاخر وتعزيز مواقعه واستحواذه على النظام السياسي. وفي غياب رؤية فلسطينية موحدة لتجاوز هذا الانقسام أو وضع حلول مرحلية لاستعادة الوحدة وإنهاء الانقسام تظهر نتائج الاستطلاع الذي اجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في حزيران/ يونيو 2020 أن حوالي ثلثي الجمهور متشائمون بإمكانية استعادة الوحدة قريبا.[1]

أدى الانقسام الفلسطيني إلى إعادة طرح طبيعة النظام الاداري في السلطة الفلسطينية للنقاش من حيث شكله وعلاقته بطبيعة الكيان السياسي الفلسطيني؛ ما بين المركزية الادارية واللامركزية للنظام الاداري، وما بين الوحدة الاندماجية والفدرالية أو حتى الكونفدرالية. في هذه الأثناء تعمقت الفجوة بين الضفة الغربية وقطاع غزة ليس فقط بسبب الانقسام بل لمجمل عوامل ثقافية واجتماعية واقتصادية بالإضافة إلى النظام القانوني. كما ازدادت الفجوة في نظرة المواطنين في كل من الضفة والقطاع فيما يزداد إحساس سكان قطاع غزة بالعزلة والإهمال يقابله إحساس بالإحباط وعدم الثقة في النظام السياسي ومستقبله القائم على حل الدولتين.

تهدف هذه الورقة إلى استعراض ثلاثة بدائل مؤقتة لاستعادة الوحدة الكاملة في ظل استعصاء انهاء الانقسام على مدار السنوات الثلاثة عشر الماضية: كإقامة اتحاد كونفدرالي، أو تبني النظام الفدرالي، أو اعتماد اللامركزية الإدارية. تستند المفاضلة بين البدائل الثلاث على أربعة اعتبارات هي: (1) قدرتها على تقصير الفترة الانتقالية لإنهاء الانقسام، و(2) قبول الرأي العام الفلسطيني لها، و(3) اسهامها في رسم مستقبل بناء الدولة وعملية السلام، و(4) ومدى نجاحها في بناء نظام سياسي ديمقراطي. 

 

 (1) خلفية ولماذا هذه الورقة:  

تكتسي استعادة الوحدة أهمية بالغة لدى الشعب الفلسطيني باعتبارها مصلحة وطنية عليا. لكن الخلافات تتعمق كلما اقترب أي حوار من مصالح أو مكانة أو مكتسبات أي طرف من الأطراف الحاكمة في الضفة والقطاع. كما يتجذر الانقسام والفرقة كلما انقضى الزمن، فبعد ثلاث عشرة سنة على الانقسام باتت إمكانية استعادة الوحدة أصعب مما كانت عليه في السنوات الأولى بسبب الافرازات المؤسساتية والثقافية أو البنى الاجتماعية المحمولة على التعامل معها. 

فشلت الحوارات والاتفاقيات التي تم توقيعها سواء بين حركتي فتح وحماس أو الاتفاقية الجماعية التي وقعتها الفصائل الفلسطينية مجتمعة بدءا من اتفاق القاهرة عام 2011 مرورا باتفاق الشاطئ وقبله اتفاق الدوحة وصولا إلى اتفاق أكتوبر 2017 القاضي باستلام حكومة الوفاق الوطني لمؤسسات السلطة في قطاع غزة وإدارة المعابر. كذلك فشلت الحكومات المتعاقبة في توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات العامة سواء التشريعية أو الرئاسية. كما اصطدمت المحاولة الأخيرة لإنهاء الانقسام التي قادتها لجنة الانتخابات المركزية برئاسة د. حنا ناصر "كوسيط" لإجراء الانتخابات التشريعية كخطوة على طريق الانتخابات الرئاسية واستعادة الوحدة بعدم اصدار المرسوم الرئاسي بحجة عدم اليقين بإمكانية اجراء هذه الانتخابات في مدينة القدس. ويبدو أن الأطراف المتنازعة ما زالت تعتقد أنه يمكن الحصول على مبتغاها القاضي بتحييد الآخر في مناطق سيطرتها أو الظفر بمقاليد النظام السياسي دون وصول الاخرين أو مشاركتهم فيه. هذا الامر بات غير ممكن لأسباب موضوعية حاكمة تتعلق بالجغرافيا والقدرة المادية وكذلك التأييد الشعبي.

 

تشاؤم شعبي

تشير استطلاعات الرأي التي أجراها المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية[2] إلى أن الجمهور متشائم بمستقبل المصالحة واستعادة الوحدة في الوقت القريب نتيجة للممارسات التي تقوم بها الأطراف في الضفة الغربية وقطاع غزة. ففي الوقت الذي يحظى انهاء الانقسام وتوحيد الضفة الغربية وقطاع غزة بتأييد واسع بين جمهور من الفلسطينيين باعتبارها مصلحة وطنية عليا؛ حيث أظهرت نتائج الاستطلاع رقم 75 الذي أجراه المركز الفلسطيني في شباط/ فبراير 2020 أن نسبة من 90% من المواطنين يؤيدون انهاء الانقسام وتوحيد الضفة والقطاع للرد على الخطة الامريكية وعلى ضم إسرائيل لأراضي فلسطينية (89% في الضفة و91% في قطاع غزة). في المقابل يقول 29% من الجمهور أنهم متفائلون بنجاح المصالحة فيما يقول 64% بأنهم غير متفائلين، وفقا لنتائج الاستطلاع الذي اجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في حزيران/ يونيو 2020. كما أن نسبة من 41% تعتقد أن الوحدة لن تعود وسينشأ كيانان منفصلان في الضفة وغزة فيما تعتقد نسبة من 40% أن الوحدة ستعود ولكن بعد فترة طويلة وتعتقد نسبة من 12% فقط أن الوحدة ستعود في وقت قريب.[3] 

 

الانقسام يزيد الفجوة في الآراء بين سكان المنطقتين

بالإضافة لما سبق ذكره، وجدت نتائج استطلاع الرأي العام الذي أجراه المركز الفلسطيني في شباط/فبراير 2020[4] تباينات في مواقف وآراء وانطباعات المواطنين في كل من الضفة والقطاع حول مسائل متعددة: ففي الوقت الذي يرى 25% من المواطنين في قطاع غزة أن استمرار حصار قطاع غزة واغلاق معابرة تعد المشكلة الأساسية التي يجب أن تحظى بالأولوية للسلطة الفلسطينية فإن 8% فقط من المواطنين في الضفة الغربية يعتقدون ذلك. ينعكس هذا التباين على أولية مكافحة الفساد في مؤسسات السلطة بفارق 23 نقطة حيث يرى 34% في الضفة بأنها يجب ان تحظى بالأولية مقابل 11% في القطاع.

يظهر الاختلاف واضحاً بين المواطنين في الضفة والقطاع في وصف أنفسهم حيث يقول 30% فقط من سكان الضفة أنهم متدينون مقابل 50% من سكان القطاع، ويقول 67% من سكان الضفة أنهم متوسطو التدين مقابل 44% في القطاع. ويزداد الفارق بحوالي 28 نقطة في تقييم أداء الرئيس محمود عباس منذ انتخابه حيث يقول 77% من سكان القطاع بأنهم غير راضين مقارنة بـ 49% في الضفة. ويظهر الاختلاف أيضا في مسألة اجراء الانتخابات حتى ولو كان الثمن تصويت سكان القدس في صناديق اقتراع خارج المدينة على خلاف الانتخابات الرئاسية التشريعية التي جرت في 2005 و2006 على التوالي، حيث يوافق 51% من سكان الضفة الغربية على ذلك مقارنة بـ37% من سكان قطاع غزة. كذلك يقول 51% من سكان الضفة أن السلطة انجاز للشعب الفلسطيني مقارنة بـ 39% في قطاع غزة، فيما يرى 55% من سكان غزة ان السلطة الفلسطينية قد اصبحت عبأً على الشعب الفلسطيني مقابل 42% من سكان الضفة.

يزيد الفرق إلى 21 نقطة في مدى الرضا عن رد القيادة الفلسطينية على الخطة الأمريكية حيث يقول 47% من سكان الضفة الغربية، مقابل 26% في قطاع غزة، بأنهم راضون عن رد القيادة الفلسطينية. كما تظهر الفروقات بين آراء المواطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة للمطلوب من الطرف الفلسطيني فعله ردا على الخطة الامريكية وعلى ضم إسرائيل لأراضي فلسطينية؛ حيث يؤيد 81% من سكان القطاع اللجوء للعمل المسلح أو العودة لانتفاضة مسلحة مقابل 53% في الضفة الغربية، ويؤيد 59% من سكان القطاع حل السلطة الفلسطينية مقابل 36% من سكان الضفة، كما يؤيد 49% من سكان القطاع مقابل 29% في الضفة التخلي عن حل الدولتين وتبني حل الدولة الواحدة.

 

تأثيرات الانقسام على الفجوة الاقتصادية بين الضفة والقطاع

نتج خلال الثلاثة عشر عاما من الانقسام تحولات عميقة على الاقتصاد في قطاع غزة، مقارنة بالضفة الغربية، في جزء منه ناجم عن الحصار الإسرائيلي المتواصل منذ اكثر من أربعة عشر عاما للقطاع ما أدى إلى تراجع حاد في التنمية الاقتصادية، ومن العدوان الإسرائيلي المتكرر الذي أدى إلى تدمير البنى التحتية وممتلكات الافراد والمنشآت الاقتصادية، وجزء آخر ناجم عن الانفصال عن الضفة الغربية التي حظيت بدعم اقتصادي سواء من الدعم الدولي أو الانفاق الحكومي الواسع سواء في التوظيف أو الاستثمار في القطاعات المختلفة بالإضافة إلى تدفق العمالة في إسرائيل.

تشير بعض المؤشرات الاقتصادية إلى فروقات واسعة، حيث تبلغ نسبة الفقر بين الافراد في قطاع غزة للعام 2017، وفقا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 53% مقارنة بـ 13% في الضفة الغربية. كما ترتفع البطالة في قطاع غزة بمقدار ثلاثة أضعاف مثيلاتها في الضفة الغربية (45% مقابل 15%).[5] ينخفض معدل الأجر اليومي للعاملين في القطاع الخاص إلى 44 شيقلا في قطاع غزة مقارنة بـ118 شيقلا للعاملين في الضفة الغربية. كما بلغ عدد المستخدمين بأجر في القطاع الخاص الذين يتقاضون أقل من الحد الأدنى للأجر (أي 1,450 شيقل) حوالي 109,000 عامل منهم 24,300 فقط في الضفة الغربية (يمثلون حوالي 22% من إجمالي المستخدمين باجر في القطاع الخاص في الضفة الغربية وبمعدل أجر شهري يبلغ 1,038 شيقلا) مقابل 84,400 مستخدم بأجر في قطاع غزة، (يمثلون حوالي 78% من إجمالي المستخدمين بأجر في القطاع الخاص في قطاع غزة بمعدل أجر شهري لا يتجاوز 700 شيقل).[6]

ووفقا لمؤشرات الحسابات القومية في فلسطين للعام 2018 فإن الناتج المحلي الإجمالي يبلغ 15.6 مليار دولار أمريكي تساهم الضفة الغربية فيه بحوالي 12.8 مليار دولار أمريكي فيما يساهم قطاع غزة بحوالي 2.8 مليار دولار أمريكي فقط. كذلك، يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي في قطاع غزة حوالي ثلث ما يبلغ نصيب الفرد في الضفة الغربية، أي 1458 دولار أمريكي مقابل 4854 دولار أمريكي.[7] 

 

مستقبل الديمقراطية

أوقف الانقسام الداخلي السند الرئيسي الذي يقوم عليه النظام السياسي الفلسطيني المتمثل بالانتخابات الحرة لاختيار ممثليه في المجلس التشريعي وانتخاب رئيس السلطة. فقد انقضت عشر سنوات منذ انتهاء مدة ولاية رئيس السلطة والمجلس التشريعي في كانون ثاني/ يناير 2010 وفقا لقانون الانتخابات الذي جرت على أساسه الانتخابات العام 2006.

يشكل إجراء الانتخابات الفلسطينية حاجة أساسية لبناء نظام ديمقراطي يحظى بالمشروعية، لكن عدم إجراء الانتخابات في الضفة والقطاع يُفقد النظام السياسي القدرة على الانتقال الديمقراطي، ويحجر حق المواطنين في اختيار ممثليهم في الحكم، ويضاعف من المأزق السياسي الفلسطيني باستمرار تآكل شرعية مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني. إن مما لا شك فيه أن عدم إجراء الانتخابات للمؤسسات السياسية في السلطة الفلسطينية سيبقى المؤسسات السياسية غير خاضعة للمساءلة ولمبدأ المشروعية، ويبقي الجهاز القضائي خاضعا للتدخلات، ويضيق من ضمانات الحريات العامة وحقوق الانسان، ويضعف من استقلالية المجتمع المدني وتعدديته.

 

صراع إقليمي ومحاور على حساب الفلسطينيين واستمرار الحصار

كذلك أدى الانقسام الداخلي، على مدار السنوات الثلاثة عشر ماضية، إلى تحويل الموضوع الفلسطيني لمكون من مكونات الصراع الإقليمي بين القوى الإقليمية المختلفة. كما أن وجود ارتباطات لأطراف فلسطينية مع هذه القوى والمحاور الإقليمية أضعف الجبهة الفلسطينية وحدّ من إمكانية استعادة الوحدة بسبب الخلافات بين هذه القوى، وتعرض الفلسطينيون، خاصة في قطاع غزة، إلى تحمل أعباء إضافية ناجمة عن الصراعات الإقليمية.

كما أن الدخول في لعبة المحاور الإقليمية وتبعثر الجهود الفلسطينية والإقليمية، وعدم القدرة على تمكين الحكومة من العمل في قطاع غزة أو انشاء حكومة شرعية جعل انهاء الحصار الإسرائيلي غير ممكن بل منح الطرح الإسرائيلي قبولا من بعض الأطراف الدولية لهذا الحصار، وأبقى النظر إلى قطاع غزة من باب المساعدة الإنسانية بحدها الأدنى دون النظر إلى الاحتياجات السياسية الفلسطينية بإنهاء الاحتلال واقامة دولتهم المستقلة، وعزز ادعاء اسرائيل بعدم وجود شريك للسلام قادر على الحديث باسم كافة الفلسطينيين.        

  

(2) البدائل المتاحة لاستعادة الوحدة

إن الرغبة الواسعة لدى الجمهور باستعادة الوحدة تدعونا للتفكير في بدائل مؤقتة عن العودة للوحدة الاندماجية "الكاملة" مثل الفدرالية أو الكونفدرالية باعتبارها بدائل مؤقتة قد تتيح نوعا من الوحدة بين الضفة الغربية وقطاع غزة. إن مما لا شك فيه أن العودة إلى الوحدة الكاملة، التي تتمثل بسيطرة سياسية وإدارية للمركز (العاصمة) على بقية الأجزاء، وبوجود موازنات موحدة ونظام ضريبي واحد، وبتحكم السلطة السياسية بأولويات التنمية وجهاتها وبالمسؤولية عن الأمن العام، هو الخيار الأمثل للحفاظ على الوحدة الجغرافية الذي يحاول الفلسطينيون ضمان وجودها في أي اتفاق مستقبلي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهي التعبير الاوسع عن انصهار الوطنية الفلسطينية في ظل غياب اختلافات جوهرية في البنى الثقافية. لكن الفرقاء لم يتمكنوا من تحقيق ذلك طوال الفترة الممتدة من عام 2011، أي منذ توقيع اتفاق القاهرة، ومن ثم بروتوكول مخيم الشاطئ وصولا إلى اتفاق اكتوبر 2017، وبقيت مسألة الحصول على امتيازات الحكم والسيطرة عليه قائمة. تعرض هذه الورقة ثلاثة بدائل مؤقتة ممكنة لشكل استعادة الوحدة بين الضفة الغربية وقطاع غزة بهدف تجاوز حالة الانقسام وعدم تحولها إلى انفصال دائم هي:[8] 

 

البديل الأول هو إقامة اتحاد كونفدرالي. يستند هذا البديل المؤقت على إقامة كيانين أو "دولتين" منفصلتين، واحدة في قطاع غزة وأخرى في الضفة الغربية، لكنهما ترتبطان بعلاقات اقتصادية مشتركة وتوحيد المواقف السياسية الخارجية ضمن مجلس مشترك أمام المجتمع الدولي. يتيح هذا البديل إمكانية بناء نظم مؤسساتية منفصلة ومنح شرعية لها من خلال إمكانية اجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في كلا الدولتين دون الخضوع لشروط متبادلة كالتخوفات المتعلقة بعدم نزاهتها. ويتيح لكل دولة اختيار شكل النظام السياسي وحدوده، كما يمكن لكل دولة اختيار النظام الاقتصادي بما يتناسب مع امكانياته الاقتصادية. لكن هذا البديل يزيد من مخاطر الانفصال السياسي بين الضفة والقطاع، ويثير تخوف عدم إمكانية العودة للوحدة الكاملة. كما أن مخاطر استغلال إسرائيل وتسويقها أمام العالم أن الدولة الفلسطينية قائمة في قطاع غزة، وتدعيم استفرادها بالضفة الغربية وتنفيذ اطماعها بالضم والسيطرة على الضفة الغربية تبقى قائمة، وكذلك الإبقاء على حصارها على قطاع غزة حيث "الدولة المعادية التي تسيطر عليها حركة حماس". كذلك تزداد في هذا البديل مخاطر عدم قيام نظام ديمقراطي في الكيانين نتيجة لغياب أية انتخابات عامة منذ أربعة عشر عاما. 

 

البديل الثاني هو تبني النظام الفيدرالي. يتمثل هذا البديل بوجود لا مركزية سياسية وإدارية؛ بحيث يتولى كل "إقليم" انتهاج سياسات اقتصادية ونظام ضرائبي وموازنات مختلفة، كما أن النظام القانوني والتعليمي قد يكونان مختلفين، وتوجد فيه سيطرة تامة للسلطات الإقليمية على قوى الأمن. كما أن السلطات الإقليمية تستمد صلاحياتها السياسية والإدارية بقرار دستوري سياسي، فيما تتولى الحكومة المركزية شؤون العلاقات الخارجية وتوقيع الاتفاقيات والدفاع.

يُبقي هذا البديل على الوحدة المركزية للفلسطينيين في دولة واحدة مع الاخذ بالاعتبار الاحتياجات والظروف والقدرات الاقتصادية والثقافية لسكان كل إقليم على حدة. ويتيح إمكانية قيام نظام ديمقراطي في كل إقليم وعلى المستوى الوطني باعتباره مرحلة انتقالية للعودة التدريجية للوحدة الكاملة للإقليمين، خاصة إذا ما تم إجراء توحيد للمنظومة القانونية والمؤسساتية فيها. يبقي هذا البديل امكانية الانفصال قائما في ظل وجود منظومتين قانونيين مختلفتين يتمسك كل إقليم بصوابية نظامه؛ وقد يعود ذلك لتعود المراكز القانونية فيها عليها وعدم الرغبة في تغييرها كما هي الحال في السنوات التي سبقت الانقسام. كما يستمر وجود منظومتين للمؤسسات القائمة فيهما تتنافسان على المصالح والنفوذ والصلاحيات للأشخاص والتنظيمات الحاكمة فيهما.

 

البديل الثالث هو اعتماد الوحدة اللامركزية. تتمثل هذه اللامركزية بوجود سلطة سياسية مركزية ولكن مع لامركزية إدارية. يقتضي هذا الاقتراح وجود سلطتين إقليميتين إداريتين في الضفة الغربية وقطاع غزة (يتم إنشائهما بقرار إداري من السلطة المركزية ويمكن توسيع أو تقليص صلاحياتهما) تتوليان تنسيق خطط وجهود السلطات المحلية في كل إقليم، حيث أن كل إقليم يتمتع بدرجة من التجانس الاقتصادي والإداري الداخلي يمكن معها اعتباره وحدة مستقلة قادرة على بلورة خططها التنموية المنفردة في ظل السياسات الاقتصادية العامة التي تضعها السلطة المركزية. تتولى السلطة المركزية، في هذا النظام، اتخاذ القرارات الرئيسية وتبني سياسات اقتصادية واحدة فيما تتولى السلطات الإقليمية والمحلية تبني نظام ضريبي محلي ووجود موازنات محلية مستقلة ومختلفة، ووجود عناصر مشتركة في النظام القانوني والتعليمي على مستوى الدولة وأخرى محلية، وتتشارك كل من السلطات المركزية والإقليمية والمحلية في السيطرة على قوى الأمن وفق قواعد محددة مما يخفف من قبضة السلطة المركزية على الأجهزة الأمنية ويساهم في تعزيز مهنيتها.

إن أحد مزايا هذا البديل المؤقت أنه يُبقي على الوحدة بين الضفة الغربية وقطاع غزة وهو الأقرب للوحدة الاندماجية الكاملة، ويراعي الاحتياجات والظروف والقدرات الاقتصادية والثقافية لسكان كل إقليم على حدة. ويتيح إمكانية قيام نظام ديمقراطي على المستوى الوطني وعلى المستوى المحلي ويعزز التنمية المحلية على أساس اللامركزية الإدارية في البلاد. لكن يبقي التخوف من بقاء الهيمنة الحزبية القائمة في القطاع والضفة على المؤسسة المحلية من جهة والسيطرة على قوى الامن فيهما وامتداد ثقافتهما الانفصالية في المؤسسات المستحدثة.

 

الخلاصة:

مما لا شك فيه أن الخروج من الازمة الحالية، بهدف استعادة الوحدة وإنهاء الانقسام، يقتضي النظر بعقل مفتوح وبعين فاحصة لطبيعة العلاقة بين الضفة والقطاع في ضوء تجارب متعددة بدلا من الإبقاء على الانقسام المفضي إلى الانفصال حتما مع مرور الوقت. كما يتطلب تقديم حل يخلق توازنا بين مصلحة الحفاظ على النظام السياسي وصون الثقافات وحماية الخصوصية للسكان والظروف الخاصة للمنطقة الجغرافية وأدوات ربط ناجعة بينهما.  

إن البديل المتمثل بالوحدة اللامركزية التي تتمثل بوجود سلطة سياسية مركزية ولا مركزية إدارية، كما جاء في البديل الثالث أعلاه، هو الأكثر قدرة على خلق هذا التوازن في ظل الظروف الراهنة حيث أنه يوفر آليات وأدوات الانصهار الوطني، ويعزز الوحدة السياسية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ويراعي الاحتياجات والظروف والقدرات الاقتصادية والثقافية لسكان كل إقليم على حدة. كما يتيح تبني التنمية المحلية على أساس اللامركزية الإدارية في البلاد، ويمنح إمكانية اجراء الانتخابات العامة لتعزيز مشروعية النظام السياسي ويحد من مخاطر الانتقال الديمقراطي. يحد هذا البديل من مخاطر الانفصال مستقبلا كما هو الحال في البديلين الآخرين، وهو ينسجم مع موقف الأغلبية في الرأي العام الفلسطيني الرافضة بشكل واسع (60% من الجمهور)[9] لإمكانية وجود قيام أشكال أخرى من العلاقة بين جناحي الكيان الفلسطيني كالكونفدرالية مثلا. كما يساعد هذا البديل الثالث على إنهاء معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة، ويوحد الجهود في عملية المواجهة مع الاستعمار الإسرائيلي ويحد من المخاطر الناجمة عن السياسات الإسرائيلية الاستعمارية، ويقوي الموقف السياسي الرسمي في المحافل الدولية. بالإضافة إلى أنه يمكن من تجاوز العقبات القائمة للوصول إلى الوحدة الكاملة المرغوبة من قبل أغلبية الشعب الفلسطيني.

 

[1]  انظر: الموقع الالكتروني للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية المسحية. https://www.pcpsr.org/ar/node/602

[2] أنظر: استطلاعات الرأي العام للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية www.pcpsr.org

[3]  انظر: الموقع الالكتروني للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية المسحية. https://www.pcpsr.org/ar/node/602

[4]  انظر: الموقع الالكتروني للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية المسحية.      http://pcpsr.org/ar/node/800

[5]  الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فلسطين في أرقام 2019، رام الله، 2020. http://www.pcbs.gov.ps/Downloads/book2512.pdf

 [6] أنظر: موقع الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني http://www.pcbs.gov.ps/portals/_pcbs/PressRelease/Press_Ar_13-4-2020-lab.pdf

[7]  الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فلسطين في أرقام 2019، مصدر سابق، ص 60.

[8]  انظر: خليل الشقاقي، الضفة الغربية وقطاع غزة: العلاقات السياسية والإدارية المستقبلية، القدس: الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية، 1994، ص ص 91-116.  وكذلك: جهاد حرب، الفرص والعقبات أمام استعادة الوحدة ببين الضفة الغربية وقطاع غزة: تغيرات على النظام السياسي والإدارة العامة منذ الانفصال، رام الله: المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، 2011، ص ص 17-19.

[9]  انظر نتائج الاستطلاع رقم 76 للمرز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية. http://pcpsr.org/sites/default/files/Poll-76-Arabic-Full%20Text.pdf

Arabic

On July 2, 2020, Jibril Rajoub, member of the Fatah Central Committee, and Saleh Al-Arouri, deputy head of the Hamas political bureau, held a joint press conference to announce joint plans to confront the Israeli annexation plan. The joint statement issued by the two men comes after a rift of more than two years. The statement did not refer to a vision of how to end the split and restore unity after thirteen years of internal Palestinian division. The ability of this meeting and subsequent dialogue to bridge differences between the two sides is unclear.

 

The solutions proposed since the 2011 Cairo Agreement to restore unity have failed to reach the intended goal, in part because of their ambitious goal of restoring full reunification. This failure reflect the inability to overcome existing obstacles as both sides refuse to abandon their goal of dominating and controlling the other while strengthening their own positions and manipulating the political system. Today, we remain unable to develop a unified Palestinian vision able to overcome this division or put in place interim solutions to end it. Indeed, the Palestinian public seems to have lost hope of a quick fix as the results of a poll conducted by the Palestinian Center for Policy and Survey Research (PSR) in June 2020 reveal that about two-thirds of the public are pessimistic about the possibility of restoring unity in the near future.[1]

Over the years of the split, a review has taken place of the nature and form of the Palestinian Authority’s administrative system and its relationship to the vision for the Palestinian political entity. This review sought to examine various organizational concepts, such as centralization vs. decentralization, integrative vs. federal or even confederal unity. Moreover, during the past thirteen years, the gap between the West Bank and the Gaza Strip has widened, not only due to the division, but also due to the totality of cultural, social, economic and legal factors and developments. The gap in citizens’ perception in the West Bank and the Gaza Strip has also widened, with increasing feelings of isolation and neglect among residents of the Gaza Strip, matched by a feeling of frustration and distrust in the political system and the future of the two-state solution.

In light of the current deadlock in the efforts to restore full unity, this critical brief aims to review three phased or temporary alternatives: a confederation, a federal system, and a decentralized administration. The assessment of each of these alternatives is based on four main considerations: (1) the ability to shorten the transitional period to end the split, (2) acceptance by the Palestinian public, (3) the ability to protect the goal of state-building in the context of the Palestinian-Israeli peace process, and (4) the ability to positively affect a transition to democracy in the Palestinian political system.

 

(1) Background: why this paper?

The restoration of unity is of great importance to the Palestinian people as a supreme national interest. But the gap widens between the positions of the two rival parties whenever the reconciliation dialogue affects their interests, status, or gains. Division and discord are also more entrenched with the passage of time. After thirteen years, the possibility of restoring unity has become more difficult than it was at the outset, due to institutional changes, cultural developments, and social structures that have evolved over time in order to accommodate and deal with the split.

The dialogues and signed agreements have failed, whether between Fatah and Hamas or the collective agreement signed by the Palestinian factions starting with the 2011 Cairo Agreement, through the Doha Agreement, the Beach Camp Agreement, and the October 2017 agreement to hand control of PA institutions in the Gaza Strip and management of the border crossings to a unity government. Successive governments have failed to unify institutions and create conditions to hold general elections, whether legislative or presidential. The last attempt to end the division, led by the Central Elections Commission, headed by Dr. Hanna Nasser as ‘mediator’, which aimed to conduct legislative elections as a step toward presidential elections and the restoration of unity, has also failed when the expected presidential decree was not issued, on the pretext of uncertainty about the possibility of holding these elections in Jerusalem. It seems that the conflicting parties still believe that they can achieve their aims to neutralize the other within the areas of their control, or take the reins of the political system while not allowing others access or participation. This is no longer feasible due to objective factors and the overriding forces of geography, material ability, and popular support.

Prevailing pessimism

Opinion polls by PSR[2] show the public to be pessimistic on reconciliation and restoration of unity in the near future. Ending the division and unifying the West Bank and Gaza Strip enjoys a wide public support as a supreme national interest. Results of PSR Poll #75, conducted in February 2020, show a 90% support (89% in the West Bank and 91% in the Gaza Strip) for ending the division and unifying the West Bank and the Gaza Strip as a response to the Trump plan and the Israeli annexation threat. Yet, only 29% of the public are optimistic about the prospects of reconciliation while 64% are not, according to the results of a PSR poll conducted in June 2020. Also, 41% believe that unity will not return and two separate entities will be established in the West Bank and Gaza while 40% believe unity will return, but after a long period; only 12% believe that it will return in the near future.[3]

Division widens the gap between residents of the two regions

In addition to the previous findings, PSR’s February 2020[4] poll shows important attitudinal differences between residents of the West Bank and the Gaza Strip on various issues, with a gap of more than 20 points, in some instances. For example, while 25% of Gazans see the continuing blockade and the closing of the Gaza’s border crossings as the top priority problem for the Palestinian Authority, only 8% of West Bankers feel the same. The same variation is reflected in the primacy of fighting corruption in PA institutions, with a difference of 23 points: 34% in the West Bank see it as the top priority, compared to 11% in the Gaza Strip.

The differences are wide in the level of religiosity with 30% of West Banker describing themselves as religious, compared to 50% of the Gazans; 67% of West Bankers describe themselves as somewhat religious, compared to 44% in the Strip. The gap increases by about 28 points in the evaluation of the performance of President Mahmoud Abbas since his election, with 77% of Gazans indicating dissatisfaction, compared to 49% in the West Bank.  A difference also appears in the issue of holding elections even if, unlike the previous legislative and presidential elections that took place in 2005 and 2006, it results in voting by Jerusalem residents in polling stations outside the city, with 51% of West Bankers, compared to only 37% of Gazans supporting such electoral arrangement. There is a gap of 11 points between the opinion of the two groups in assessing the value of the Palestinian Authority, with 51% of West Bankers describing it as an asset for the Palestinian people, compared to 39% in the Gaza Strip. Conversely, 55% of Gazans see the PA as a burden on the Palestinian people, compared to 42% in the West Bank.

The gap increases to 21 points in the level of satisfaction with the Palestinian leadership’s response to the American plan, with 47% of West Bankers, compared to only 26% of Gazans, satisfied with that response. There are also differences on what should be done by the Palestinians in response to the Trump plan and the Israeli annexation threat, with 81% of Gazans in favor of a resort to armed struggle or a return to an armed uprising, versus 53% in the West Bank. Moreover, 59% of Gazans, compared to only 36% of West Bankers support a dissolution of the Palestinian Authority. Finally, 49% of Gazans, compared to 29% of West Bankers, support the abandonment of the two-state solution and embracing a one-state solution.

Effects of the split on the economic gap between the West Bank and Gaza Strip

Thirteen years of division have led to profound transformations in the economy of the Gaza Strip compared to that of the West Bank.  This has been partly the result of the Israeli blockade of the Gaza Strip, that has continued for more than fourteen years, and repeated Israeli wars that have destroyed infrastructure, individual property and economic establishments, leading to a sharp decline in economic development. Additionally, the gap has been caused by the separation from the West Bank, which has received economic support from both international donors or broad government spending, whether in employment or investment in various sectors, as well as the flow of labor in Israel.

Some of the main economic indicators point to wide economic gaps. The poverty rate in the Gaza Strip for 2017, according to the Palestinian Central Bureau of Statistics, is 53%, compared to only 13% in the West Bank. Unemployment in the Gaza Strip is also three times higher than that in the West Bank (45% versus 15%).[5] The average daily wage for workers in the private sector drops to NIS 44 in the Gaza Strip compared to NIS 118 for workers in the West Bank. The total number of wage employees in the private sector who are paid less than the minimum wage (i.e., NIS 1,450) is about 109,000 workers, of which only 24,300 are found in the West Bank (representing about 22% of the total wage employees in the private sector in the West Bank) with a monthly wage rate of NIS 1,038, compared to 84,400 wage employees in the Gaza Strip (representing about 78% of the total wage employees in the private sector in the Gaza Strip) at a monthly wage of no more than NIS 700.[6]

According to the 2018 indicators of national accounts in Palestine, the gross domestic product was $15.6 billion, of which the West Bank contributed about $12.8 billion versus $2.8 billion only by the Gaza Strip. Per capita GDP in the Gaza Strip is about a third of that in the West Bank ($1,458 compared to $4,854).[7]

The Future of democracy

The split has halted the main pillar of the political system, free elections to choose one’s own representatives to the Palestinian Legislative Council (PLC) and elect the President of the PA. Ten years have passed since 2010, the date for the end of the term of the President and the PLC, according to the election law which the 2006 elections were based on.

The holding of Palestinian elections is essential to build a democratic system that enjoys legitimacy. The lack of elections in the West Bank and the Gaza Strip deprives the political system of the ability for democratic transition, impedes the right of citizens to choose their government representatives, and increases the political deadlock by the continued erosion of institutional legitimacy of the political system. There is no doubt that the lack of elections deprives PA institutions of accountability and legitimacy, keeps the judiciary subject to executive interventions, restricts public freedoms and human rights, and undermines the independence and pluralism of civil society.

Regional conflict and axis at Palestinian expense and continuation of the Gaza blockade

Thirteen years of internal division have transformed the Palestinian issue to become one of the components of the regional conflict. The alignment of Palestinian parties to regional powers and axis have also weakened the Palestinian front and limited the possibility of restoring unity due to the disputes between those outside forces. Palestinians, especially in the Gaza Strip, have been subjected to additional burdens resulting from regional conflicts.

Becoming part of the regional rivalry and scattering Palestinian and regional efforts while failing to establish a legitimate governing body, have made it more difficult to end the Israeli blockade. Instead, it gave Israel the opportunity to take advantage and gain acceptance for its imposed blockade by some international powers and kept the attention paid to the Gaza Strip restricted to humanitarian assistance, without regard to the Palestinian political needs of ending the occupation and establishing an independent state. This situation has also reinforced Israel’s claim that there is no peace partner capable of speaking on behalf of all Palestinians.       

 

(2) Possible alternatives to full reunification

The widespread public desire to restore unity invites the political elite to consider temporary alternatives to a return to ‘full’ integrative unity, such as a federation or confederation which could provide a form of phased or temporary partial unity between the West Bank and Gaza. There is no doubt that a return to full unity-- represented by political and administrative control by the center (the capital) over the remaining parts, the existence of unified budgets, a single tax system, and the setting of developmental priorities and the control over public security by a single political authority-- is the best option to preserve territorial unity that the Palestinians seek to ensure in any future agreement with Israel. It is also the broadest expression of Palestinian nationalism, in the absence of fundamental differences in cultural structures. But the rival groups have failed since the 2011 Cairo Agreement to achieve this goal. The impeding dynamics of the rivalry, the desire to have access to the privileges of governance and its control, have remained in place. This brief presents three temporary alternatives to a possible restoration of unity between the West Bank and the Gaza Strip with the aim of overcoming the split and preventing it from leading to a permanent separation:[8]

Alternative one, a confederation: This temporary alternative is based on the establishment of two entities or “states,” one in the Gaza Strip and the other in the West Bank. The two would be separate but related through joint economic relations and the unification of external political positions within a joint council addressing the international community. This alternative offers the possibility of building separate institutional systems and granting them legitimacy through holding legislative and presidential elections in both states. It allows each state to choose the form and limits of its political system, and to select its economic system in accordance with its needs. But this alternative increases the risk of cementing separation and raises fears that it will not be possible to return in the future to full unity. Likewise, it raises the danger of Israel exploiting and marketing to the world that the Palestinian state already exists in the Gaza Strip, strengthening Israel’s control over the West Bank and implementing its ambitions to annex and control it. Also, it enables Israel to maintain its blockade of the Gaza Strip, “the hostile state controlled by Hamas.” In addition, there is a continued risk of failure to build a democratic system in either of the two states given the absence of any general elections for fourteen years.

Alternative two, a federation: A federal system is one with political and administrative decentralization, so that each “region” undertakes different economic policies, taxation systems, and budgets. The legal and educational systems may also be different. It allows control by the local authorities over the security forces. The local authorities derive their political and administrative jurisdiction from a political constitutional decision. The federal government controls security and foreign relations and signs agreements with outside powers.

This alternative maintains Palestinian central unity in a single state, while taking into account the needs, circumstances, and economic and cultural particularities of the population of each region separately. It offers a path to a democratic transition in each region and at the national level. A reunification of the institutional systems, as a transitional stage, allows for a gradual return to a fuller unity of the two regions. This alternative however preserves separation given the existence of two different legal systems, with each region adhering to the correctness of its regime. Separation might be strengthened in the presence of two systems of institutions competing for resources and jurisdiction leading to elite conflict over interests, influence and powers.

Alternative Three, decentralization: Decentralized unity represented by a centralized political and decentralized administrative authority is a third alternative to full unity. In this case, two regional administrative powers coexist in the West Bank and Gaza Strip. The two centers of administrative power coordinate the plans and efforts of the local authorities in each region, as each region has a degree of internal economic and administrative homogeneousness with which it can be considered an independent unit capable of crystallizing its individual developmental plans in light of general economic policies laid down by the central authority. In this system, the central authority assumes control over major decisions and adopts a single economic policy, while regional and local authorities adopt local tax systems, separate and distinct local budgets, and common elements in the legal and educational system at the state and local levels. Central, regional and local authorities cooperate in controlling the security forces according to specific rules, which reduce the grip of the central authority on the security services and contributes to enhancing their professionalism.

One of the advantages of this temporary alternative is that it maintains the political unity of the West Bank and Gaza Strip and it is the closest to full reunification. At the same time, it takes into account the needs, circumstances and economic and cultural capacities of the population of each region separately. It provides the means for a democratic transition at the national and local levels and promotes local development on the basis of administrative decentralization in the country. However, the fear remains of persisting partisan domination in the West Bank and Gaza Strip over the local establishment, on the one hand, and control of their security forces and the expansion of their separatist culture in the newly created institutions, on the other.

 

Conclusion:

There is no doubt that finding a way out of the current deadlock on the road to restore unity requires an open mind and new thinking in looking at the nature of the relationship between the West Bank and the Gaza Strip. This scrutiny should be done in the light of the multiple experiences in the world around us.  Failure to do so risks the inevitability of a permanent separation over time. It also requires providing a solution that creates a balance between the interest in protecting the political system, preserving cultures, protecting the particularities of the population, and the special circumstances of each geographical area, with tools to link them effectively.  

Under today’s conditions, decentralization, represented by the existence of a centralized political and decentralized administrative authority, as stated in the third alternative above, is the most capable of creating this balance. It provides mechanisms and tools for national fusion and promotes political unity between the West Bank and the Gaza Strip, while taking into account the needs, circumstances and economic and cultural capacities of the people of each region separately. It also allows the adoption of local development on the basis of administrative decentralization in the country, and gives the possibility of holding general elections to enhance the legitimacy of the political system and reduces the risks of a democratic transition. This alternative reduces the risks of permanent separation, which is a risk present in the two other alternatives, and is consistent with the position of the majority in Palestinian public, a majority of which (60%) rejects[9] other alternatives, such as a confederation. Decentralization also helps to reduce the suffering of the Palestinians in the Gaza Strip, unifies Palestinian efforts to confront Israeli colonization, and strengthens the official political position in international fora. In addition, with time, it can help bypass the existing obstacles to reach the full unity desired by the majority of the Palestinian people.

 

 

[1] See the Palestinian Center for Policy and Survey Research website: http://pcpsr.org/en/node/813

[2] See the public polls of the Palestinian Center for Policy and Survey Research: www.pcpsr.org

[5] Palestinian Central Bureau of Statistics, Palestine in Numbers, 2019. Ramallah, 2020: http://www.pcbs.gov.ps/Downloads/book2512.pdf

[7] Ibid., p. 60.

[8] For an early review of such ideas, see, Khalil Shikaki, West Bank and Gaza Strip: Future Political and Administrative Relations, Jerusalem: The Palestinian Academic Society for the Study of International Affairs (PASSIA), 1994, pp. 91-116. Likewise, see Jihad Harb, Opportunities and Obstacles to Restoring Unity between the West Bank and Gaza: Changes in the Political System and Public Administration since the Split, Ramallah: Palestinian Center for Policy and Survey Research, 2011, pp . 17-19.

[9] See results of Poll #76 of the Palestinian Center for Policy and Survey Research: http://pcpsr.org/sites/default/files/Poll-76-Arabic-Full%20Text.pdf

English

طرحت القرارات الرئاسية المتعلقة بحل مجلس القضاء الأعلى وتشكيل مجلس قضاء انتقالي برئاسة رئيس مجلس القضاء الأعلى السابق المستشار عيسى أبو شرار (القرار بقانون رقم 16 و17 لسنة 2019) مسألة مدى تدخل السلطة التنفيذية في استقلال الجهاز القضائي الفلسطيني، وأعادت إثارة مسألة حماية استقلال القضاء الفلسطيني من تدخلات جهات مختلفة في السلطة التنفيذية سواء في عملية التعيين للقضاة أو اقحام السلطة القضائية في عملية تصفية حسابات بينها، أو زج المحاكم في عملية قمع الحريات الإعلامية.

مما لا شك فيه أن استقلال القضاء يمثل عنصرا أساسيا من عناصر الحق في محاكمة عادلة وسيادة القانون. وأن اشتراط استقلال القضاة ونزاهتهم ليس ميزة ممنوحة لهم من أجل مصلحتهم الخاصة، بل هي أمر يبرر الحاجة إلى تمكين القضاة من الاضطلاع بدورهم كحماة لسيادة القانون ولحقوق الانسان والحريات الأساسية للناس. وهو ضمانة للحقيقة والحرية واحترام حقوق الإنسان والعدالة النزيهة الخالية من التأثير الخارجي. إن ضمان استقلالية الجهاز القضائي أحد أهم مطالبات مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية بالإضافة إلى توصيات لجنة تطوير أركان العدالة المكلفة بوضع رؤية شمولية لتطوير قطاع العدالة والقضاء والتي نشرت في تقريرها عام 2018[1]. ويمثل مجلس القضاء الأداة الأبرز نحو ضمان هذا الاستقلال الامر الذي يتطلب أولا تقوية هذا الجهاز المسؤول عن إدارة الجهاز القضائي وثانيا توفير ضمانات عدم تدخل السلطة التنفيذية في تعيين أعضائه، وثالثا توفير قواعد مانعة لحدوث أي تحيز لأبناء المهنة القضائية بحيث تكون أطراف غير قضائية جزءا من هذا المجلس. 

تهدف هذه الورقة إلى تقديم توصيات للمجلس القضائي الانتقالي بهدف تعزيز استقلالية الجهاز القضائي الفلسطينية وحمايته من تدخلات الجهات الخارجية سواء من السلطة التنفيذية أو متنفذين على هامش السلطة التنفيذية في إطار الحفاظ على مبدأ فصل السلطات وضمان نزاهة الجهاز القضائي واستعادة ثقة المواطنين بالمحاكم النظامية. تقدم الورقة خيارات للقيام بذلك هي توسيع عضوية مجلس القضاء الأعلى، وادخال الديمقراطية على عملية تشكيل هذا المجلس، أو جعل تشكيل المجلس مختلطاً. 

 

الحاجة للإصلاح   

أحدث الانقسام السياسي بين حركتي فتح وحماس طوال السنوات الاثنتي عشر الماضية تراجعا كبيرا في النظام الديمقراطي الفلسطيني المبني على الفصل بين السلطات. فقد غاب المجلس التشريعي الفلسطيني عن القيام بدوره التشريعي والرقابي إلى أن تم حله في كانون ثاني (ديسمبر) 2018، وتركزت السلطة التشريعية بيد الرئيس الفلسطيني من خلال إصداره القرارات بقوانين. وقد شكل تصريح المستشار القاضي سامي صرصور رئيس مجلس القضاء الأعلى "المستقيل/المعزول" بتاريخ 24/10/2016، فضحاً لتدخلات السلطة التنفيذية في عمله وذلك بالتوقيع على الاستقالة من منصبه قبل حلف اليمين القانوني امام الرئيس بناء على طلب من مرجع أمني كما وقع رؤساء المحاكم السابقين.[2] وأشار المستشار عبد الله غزلان قاضي المحكمة العليا إلى أن القضاء غير قادر على اصلاح نفسه، بل ان بعض القضاة لا يثقون بأحكام المحاكم إذا ما مثلوا أمامها.[3] كذلك طالبت مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية في مناسبات عدة بإصلاح الجهاز القضائي خاصة إثر فشله في اصلاح نفسه خلال السنوات الماضية وعدم المحافظة على استقلاله وزيادة الصراعات بين كبار القضاة.[4]

كما شاب عمل الجهاز القضائي العديد من الإشكالات كإصدار احكام متناقضة فيما يتعلق بقرارات التقاعد لموظفين في القطاع العام تشوبها شبهة تدخل السلطة التنفيذية، أو تدخل أطراف متنفذة على هامش السلطة التنفيذية لإصدار احكام لصالح أشخاص وشركات كالحكم الخاص بشركات المواصلات[5]، أو القرارات الداخلية المختلفة في الجهاز القضائي فيما يتعلق بالهيئات القضائية وتشكيلاتها أو إحالة بعض القضاة على خلفية حرية الرأي والتعبير أو حضور لقاء وورش عمل بدعوة من منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى التأخر في الفصل في القضايا لسنوات متعددة مما أدى إلى تقليل ثقة المواطنين بالقضاء، والتوجه إلى القضاء العشائري كبديل للقضاء النظامي وتفضيله.

كذلك، فإن تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، وفقا لأحكام قانون السلطة القضائية لسنة 2002، يمنح استقلالية واسعة للسلطة القضائية خاصة أن العضوية فيه تعتمد على المناصب وليس الأشخاص وتحصر العضوية عمليا بالقضاة. لكن هذه التشكيلة تُبقي على التركيز المفرط للسلطات في هيئة قضائية واحدة ما يثير ادعاءات متعلقة بالانحياز لأبناء المهنة "القضاة" مما يحول دون النظر في مساءلة القضاة. كذلك، يبقي هذا التشكيل على إمكانية وجود تعارض بين مسؤوليات رئيس المحكمة العليا وبين رئيس المجلس الأعلى للقضاء، قد يسمح بتضارب المصالح بالتنسيب لرئيس السلطة لتعيين رئيس المحكمة العليا وهو في نفس الوقت رئيس المجلس الأعلى للقضاء. 

 

انخفاض ثقة المواطنين الفلسطينيين بالجهاز القضائي

تراجعت ثقة المواطنين الفلسطينيين بالجهاز القضائي الفلسطيني على مدار السنوات العشرة الأخيرة بشكل عام وبين جمهور المتعاملين مع الجهاز القضائي بشكل خاص. فقد اشارت نتائج استطلاعات الباروميتر العربي إلى تراجع الثقة في الجهاز القضائي من قبل الجمهور الفلسطيني من 60% في الدورتين الأولى والثانية التي تم اجراؤهما في العامين (2007 و2010 على التوالي) إلى 42% في الدورتين الثالثة والرابعة التي تم اجراؤهما في العامين (2016، و2019 على التوالي).[6] 

كما تشير نتائج استطلاع الرأي العام رقم (73) الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في أيلول/ سبتمبر 2019 إلى انعدام الثقة بالجهاز القضائي لدى أغلبية الجمهور؛ حيث قالت نسبة من 65% في الضفة الغربية أنها لن تحصل على محاكمة عادلة لو وجدت نفسها أمام محكمة فلسطينية. وأشارت نسبة من 72% في الضفة الغربية أن عمل القضاء والمحاكم في فلسطين يشوبه الفساد أو عدم الاستقلال أو يحكم بحسب الأهواء. وينعكس الانقسام السياسي بين الفلسطينيين على نظرة المواطنين للقضاء وقدرة المواطن في الضفة الغربية على الحصول على محكمة عادلة في حال وجد نفسه يوما ما متهما امام القضاء الفلسطيني، ففي الوقت الذي يعتقد فيه 37% من مؤيدي حركة فتح أنهم سيحصلون على محكمة عادلة، فإن 9% فقط من مؤيدي حركة حماس يعتقدون أنهم سيحصلون على محاكمة عادلة.[7]

ووفقا لنتائج تقرير المرصد القانوني الخامس[8] الصادر عام 2018؛ فإن 39% فقط من المحامين أبدوا موافقتهم على أن القضاء في تحسن مستمر وعارض ذلك 49%، ووافق 62% من المحامين على أن الاحكام الصادرة عن القضاء تخضع للتأثيرات والضغوط الخارجية وعارض ذلك 16%، ووافق 27% على أن القضاء فاسد فيما عارضه 36%، ويرى 85% أن هناك بطء شديد في البت في القضايا في المحاكم النظامية.

كما أن المواطنين الفلسطينيين الذين لهم تجربة مع القضاء في الضفة الغربية أكثر تشاؤما واعطوا تقييما أكثر سلبية حيال وضع القضاء من غيرهم ممن ليست لهم تجربة مع القضاء وفقا لتقرير مقياس الامن في فلسطين عام 2016. فقد أظهرت النتائج أن 75% ممن كان لهم تجربة يعتقدون بوجود فساد في المحاكم وبين القضاة. ويعتقد 78% أن القضاء الفلسطيني لا يعامل المواطنين بالتساوي بغض النظر عن وضعهم المالي أو الاجتماعي أو الحزبي أو عن مكانتهم في أجهزة السلطة أو أجهزة الأمن. ويعتقد 78% أن إجراءات المحاكم كانت بطيئة.[9] 

 

محاولات متعثرة لإصلاح السلطة القضائية

واجهت عملية الإصلاح القضائي على مدار العشرين عاما الماضية تحديات عديدة أبرزها الانقسام السياسي الحاصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وغياب المجلس التشريعي، وتدخل السلطة التنفيذية المتكرر في عمل السلطة القضائية، والصراع بين مؤسسات "قطاع العدالة"، والخلافات بين القضاة أنفسهم ونظرتهم إلى استقلال السلطة القضائية بشكل مطلق على غير غايات القانون الأساسي الذي يشير إلى استقلال القاضي بأحكامه، ومنع تضارب المصالح في حال وجودها، وضعف الأداء، بالإضافة إلى ضعف الإمكانيات المتاحة للسلطة القضائية، وتراكم القضايا في أروقة المحاكم، مما أدى إلى فقدان السلطة القضائية مصداقيتها أمام الجمهور الفلسطيني.

أطلقت السلطة الفلسطينية أولى مبادراتها الإصلاحية في مجال إصلاح الجهاز القضائي في حزيران /يونيو 2000 بإعلانها تشكيل مجلس القضاء الأعلى الانتقالي لترتيب وضع الجهاز القضائي، ومن ثم في شهر أيار / مايو 2002 إثر صدور قانون السلطة القضائية رقم 1 لسنة 2002 بتعيين مجلس القضاء الأعلى. وجاءت المحاولة الثالثة بقرار رئاسي بتاريخ 14/3/2005 صادر عن الرئيس محمود عباس يقضي بتشكيل لجنة توجيهية لتطوير القضاء والعدل أنيطت بها مهمة إعداد مسودة مشروع قانون معدل لقانون السلطة القضائية، واقتراح الإجراءات التي يتوجب اتخاذها لتأمين استقلال القضاء وكرامة القضاة وكفاءتهم ونزاهتهم. لكن تم وأد هذه اللجنة إثر قرار المحكمة العليا بصفتها الدستورية المنعقدة بتاريخ 27/11/2005 والتي قضت بعدم دستورية قانون السلطة القضائية رقم 15 لسنة 2005 الذي تبناه المجلس التشريعي آنذاك بناء على مقترح اللجنة التوجيهية لتطوير القضاء والعدل. 

وفي 6/9/2017 أصدر الرئيس محمود عباس مرسوما رئاسيا يقضي بتشكل اللجنة الوطنية لتطوير قطاع العدالة مهمتها مراجعة منظومة التشريعات القضائية واعداد رؤية شمولية لتطوير قطاع العدالة والقضاء، وقد حدد القرار بقانون فترة عملها بستة أشهر إلا أن مداولاتها وعملها استغرق عاما لتقديم تقريرها المتعلق بنتائج اعمالها وتوصياتها. تبنى التقرير مجموعة من التوصيات تتعلق بتعزيز استقلال القضاء، وتوسيع عضوية مجلس القضاء الأعلى، وتخفيض سن تقاعد القضاة ليصبح 65 سنة بدلاً من 70 سنة، ومعالجة الإشكاليات الفنية والمهنية المتعلقة بعمل الجهاز القضائي[10].   

أخيرا، أصدر الرئيس محمود عباس في تموز 2019 قرارين بقانون بشأن القضاء عَدَّلَ في أحدهما قانون السلطة القضائية (خفض سن تقاعد القضاة من سن السبعين إلى سن الستين)، فيما حل بالقرار الثاني مجلس القضاء، وأنشأ مجلس قضاء انتقالي لمدة عام (قابلة للتمديد لستة شهور) ومنح مجلس القضاء الانتقالي حق إعادة تشكيل هيئات المحاكم في كافة الدرجات، واعداد مشاريع القوانين اللازمة لإصلاح القضاء واستعادة ثقة المواطن به، وإعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى وفقا لأحكام القانون. هذان القراران قوبلا بالترحيب من بعض مؤسسات المجتمع المدني شريطة عدم تدخل السلطة التنفيذية في أعمال السلطة القضائية فيما عارضت مجموعة أخرى من مؤسسات المجتمع المدني هذين القرارين معتبرة أنهما مخالفان لأحكام القانون الأساسي وقانون السلطة القضائية، وأنهما استمرار لتغول السلطة التنفيذية على السلطة القضائية.

أظهرت نتائج استطلاع الرأي العام رقم (73) الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في أيلول/ سبتمبر 2019 انقساما في رأي الجمهور حيال القرارين بقانونين المتعلقين بتعديل قانون السلطة القضائية، فقد عبر أكثر من نصف الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية (51%) عن رضاهم عن قراراي الرئيس بقانون بشأن القضاء. كما أظهر أن حوالي نصف الجمهور في الضفة الغربية (49%) لا يوافقون على الآراء المنتقدة لقرارات الرئيس المتعلقة بالقضاء بأن هذه القرارات ليست من صلاحيات الرئيس وأنها تشكل تدخلا من السلطة التنفيذية في شؤون القضاء مما يقلل من استقلاليته وجعله عرضة لتدخلات الحكومة وأجهزة الأمن. ويوافق 47% على الرأي القائل بأن قرارات الرئيس كانت ضرورية لأن الجهاز القضائي قد فشل في اصلاح أوضاعه وأنه لم يعد قادرا على كسب ثقة الناس به وبالتالي كان على الرئيس التدخل، فيما لا يوافق على هذا القول 37%.[11] 

 

تطوير بنية المجلس الأعلى للقضاء كضامن لحماية استقلال القضاء

تقدم هذه الورقة عدة خيارات أمام المجلس القضائي الانتقالي بعد انقضاء ستة أشهر من تعيينه لتحديد شكل المجلس القضائي الفلسطيني القادم كأحد الضمانات الرئيسية لاستقلال الجهاز القضائي الفلسطيني وهي على النحو التالي:

الخيار الاول: توسيع مجلس القضاء الأعلى وإدخال أعضاء منتخبين من هيئات قضائية محددة، حيث يتكون من اثني عشر عضوا (رئيس المحكمة العليا رئيسا، وأقدم نواب رئيس المحكمة العليا نائبا، وقاضيين من أقدم قضاة المحكمة العليا، ورؤساء محاكم استئناف القدس وغزة ورام الله، والنائب العام ووكيل وزارة العدل، والمفتش الأول، وقاضيين من محكمة البداية). هذا الخيار مقترح من قبل مجلس القضاء الانتقالي الحالي في مسودة مشروع تعديل قانون السلطة القضائية. يأخذ هذا المقترح جزئيا بانتخاب بعض أعضاء المجلس الأعلى للقضاء لكنه يُبقي على هيمنة العصبوية المهنية للقضاة مما يحول دون النظر في مساءلة القضاة من جهة، ويبقي التعارض بين مسؤوليات رئيس المحكمة العليا الإدارية وبين رئيس المجلس الأعلى للقضاء من جهة ثانية. كما يثير مسألة تضارب المصالح بالتنسيب لرئيس السلطة لتعيين رئيس المحكمة العليا وهو في نفس الوقت رئيس المجلس الأعلى للقضاء. كما لا يتيح لقضاة محاكم الاستئناف حق اختيار ممثليهم في المجلس الأعلى للقضاء في تناقض مع الحق الممنوح لقضاة المحكمة العليا وقضاة محاكم البداية.

الخيار الثاني: دمقرطة تعيين أعضاء المجلس الأعلى للقضاء، حيث يجري اختيار الأعضاء القضاة في المجلس الأعلى بالانتخاب من الهيئات القضائية بحيث تقوم الهيئة العامة لكل درجة قضائية بانتخاب ممثليها في المجلس، بالإضافة الى وجود النائب العام ووكيل وزارة العدل على غرار ما هو موجود في قانون السلطة القضائية لعام 2002 بصفتهم الوظيفية، وأن يتم انتخاب رئيس المجلس من أعضاء المجلس القضائي. هذا الخيار يتيح تمثيلا لجميع مستويات السلطة القضائية مع احترام التعددية في الجهاز القضائي، ويضمن عدم تضارب اعمال رئيس المجلس مع صلاحيات رئيس المحكمة العليا ذات الصفة الإدارية في محكمته وانشغالاته القضائية كرئيس للمحكمة العليا. في المقابل فإن هذه التشكيلة تبقي على التركيز المفرط للسلطات في هيئة قضائية واحدة، ما يثير ادعاءات متعلقة بالانحياز لأبناء المهنة "القضاة" مما يحول دون النظر في مساءلة القضاة.

الخيار الثالث: تشكيل مجلس قضائي مختلط بحيث يتكون من أعضاء قضاة (منتخبين من الهيئات القضائية في المستويات المختلفة في الجهاز القضائي)، ومن أعضاء غير قضاة (محامين وأساتذة القانون والحقوقيين وأعضاء نقابة المحامين وشخصيات عامة من ذوي السمعة والخبرة المشهود بهما دون أن يكونوا من الناشطين السياسيين أو العاملين في السلطتين التنفيذية والتشريعية) بشكل متوازن على أن يتم اختيار رئيس المجلس من قبل أعضاء المجلس الأعلى للقضاء أنفسهم، وتحديد مدة زمنية لعضوية المجلس. أوصت اللجنة الوطنية لتطوير قطاع العدالة ومراجعة التشريعات القضائية بإدخال شخصيات عامة من خارج السلطة القضائية والسلطة التنفيذية كما طالبت مؤسسات المجتمع المدني برؤيتها الشاملة بإدخال شخصيات من خارج الجهاز القضائي. تفيد التجارب الدولية بعدم وجود نموذج موحد لإنشاء المجلس القضائي ما دام تكوينه يضمن استقلاله ويمكنه من الاضطلاع بمهامه بصورة فعالة، بيد أنه يوجد ميل على المستوى العالمي إلى أن يكون المجلس القضائي ذو تكوين مختلط تكون أغلبية أعضائه قضاة منتخبين من اقرانهم.[12]

إن أحد مساوئ هذا الخيار أنه قد يمنح إمكانية تدخل سياسي في اختيار بعض الأشخاص من الكفاءات أو الأعضاء من غير القضاة في ظل التركيبة المجتمعية وحالة التجاذب السياسي في البلادـ. لكن في المقابل فإن هذا الخيار يقيم توازنا عادلا بين الحاجة إلى تحصين القضاء من الضغوط الخارجية والحاجة إلى تجنب الآثار السلبية للعصبية المهنية داخل الجهاز القضائي. كما يتيح ضم مهنيين من مجالات أخرى غير القانون (مثل الخبراء في مجالات الإدارة أو الشؤون المالية أو العلوم الاجتماعية) في عضوية المجلس بما ينسجم مع التوجه نحو إضفاء الصبغة القضائية على مجالات اجتماعية واسعة. كما أن هذا الخيار يتيح تمثيلا لجميع مستويات السلطة القضائية مع احترام التعددية في الجهاز القضائي، ويضمن عدم تضارب اعمال رئيس المجلس مع صلاحيات رئيس المحكمة العليا الإدارية في محكمته وانشغالاته القضائية كرئيس للمحكمة العليا. ومن شأن التكوين المختلط تجنب تصور وجود المصلحة الذاتية والحماية الذاتية والمحسوبية. 

 

الخلاصة:

إن خيار تشكيل مجلس قضائي مختلط، كما جاء في الخيار الثالث أعلاه، يمنح مشروعية أكبر للمجلس القضائي ويحول دون التركيز المفرط للسلطات في هيئة قضائية واحدة، وتجنب اثارة ادعاءات متعلقة بالعصبوية المهنية للقضاة وضمان اتباع إجراءات تأديبية عادلة، كما يتيح تيسير الرقابة الديمقراطية على جودة وحيادية تطبيق العدالة، ويعكس وجهات النظر المختلفة داخل المجتمع. ومع ذلك، فإن هذا ليس كافيا لحماية استقلال القضاء حيث أن هناك حاجة لخطوات إضافية:    

أولا: تجريم التدخل في شؤون القضاء وتفعيل النصوص الدستورية والقانونية المتعلقة بذلك.

ثانيا: أن يتم اختيار أعضاء المجلس القضائي بطريقة علنية وشفافة من أجل القضاء على مخاطر التدخل السياسي واستيلاء قوى الامر الواقع على هذه العملية، ومنع ظهور ادعاءات العصبة المهنية.

ثالثا: ينبغي اتخاذ تدابير مناسبة لضمان مراعاة منظور النوع الاجتماعي في تكوين المجلس لتشجيع المساواة بين الرجل والمرأة داخل الهيئات القضائية.

رابعا: ينبغي أن يعهد لمؤسسات غير سياسية بانتخاب الأعضاء غير القضاة في المجلس. ومنع تدخل السلطة التنفيذية في اختيار هؤلاء الأعضاء أو تعيينهم في حال الأخذ بالخيار الثالث أعلاه.

خامسا: على السلطة التنفيذية تزويد المجلس الأعلى للقضاء بالموارد البشرية والمادية الكافية ليتمكن الجهاز القضائي من القيام بمهامه.

 

[1]  انظر: رؤية شاملة لإصلاح منظومة العدالة وتوحيدها في فلسطين مقدمة من الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" والائتلاف الأهلي لاستقلال القضاء وحمايته

 http://istiqlal.ps/?q=node/133

[2]  انظر: تصريحات المستشار سامي صرصور على موقع وكالة وطن للأنباء https://www.wattan.tv/ar/news/189737.html

[3]  مقابلة إذاعية مع القاضي عبد الله غزلان على راديو 24FM   - 19\2\2018 https://www.youtube.com/watch?v=Bgdze0t-1vY&feature=youtu.be

[4]  انظر: رؤية شاملة لإصلاح منظومة العدالة وتوحيدها في فلسطين، مصدر سابق.

 

[5]  تم عرض هذا الحكم في جلسة استماع عقدتها الهيئة الاهلية لاستقلال القضاء وسيادة القانون بتاريخ 15/1/2017. http://www.alquds.com/articles/1484587424499930000/

[7]  المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية. استطلاع الرأي العم رقم (73) أيلول 2019، مصدر سابق.

[8]  المركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء "مساواة". المرصد القانوني الخامس، 2018، ص 129.

[9]  المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية. مقياس قطاع الأمن العربي الثاني، تقرير فلسطين، 2016، http://www.pcpsr.org/ar/node/616

[10]  تقرير اللجنة الوطنية لتطوير قطاع العدالة ومراجعة منظومة التشريعات القضائية، أيلول 2018. موقع الهيئة الأهلية لاستقلال القضاء وسيادة القانون – استقلال http://www.istiqlal.ps/?q=node/139

[11]  المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية. استطلاع الرأي العم رقم (73) أيلول 2019، http://www.pcpsr.org/sites/default/files/Poll-73-Arabic-Full%20Text1.pdf

[12]  انظر: الجمعية العامة للأمم المتحدة، تقرير المقرر الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين رقم A/HRC/38/38 بتاريخ 2 أيار/ ماي 2018، مجلس حقوق الانسان الدورة الثامنة والثلاثين، ص21. https://undocs.org/pdf?symbol=ar/A/HRC/38/38

Arabic

تعتبر استطلاعات الرأي العام المهنية واحدة من الأدوات الأكثر ضبطاً في قياس ومعرفة آراء الناس في المسائل المختلفة، حيث تعتمد منهجية علمية مجربة عند إجرائها، من صياغة الأسئلة واختيار العينات وغيرها. كما يمكن فحص هذه المنهجية والحكم عليها بشكل علمي. إزدادت أهمية استطلاعات الرأي مع انتشار الأنظمة الديمقراطية التي تعطي قيمة كبيرة لآراء الناس ومواقفهم في مختلف المجالات، بما في ذلك اختيار ممثليهم، وبالتالي تقدمت استطلاعات الرأي في الدول الديمقراطية وتعززت مكانتها بشكل كبير في حين يلاحظ ضعفها في البلدان الأقل ديمقراطية، وشبه انعدامها تقريباً في البلاد ذات الأنظمة الديكتاتورية.

تُمكن استطلاعات الرأي العام صانعي القرار من معرفة توجه الجمهور وحاجاته ومواقفه تجاه قضايا هامة، وبالتالي تمكنهم من وضع السياسات الأكثر فعالية واتخاذ القرارات بشكل منسجم مع متطلبات هذا الجمهور. كما تمكنهم من تلبية الاحتياجات الأكثر الحاحاً وتجنب الصدام مع الشارع مما يعزز من حالة الانسجام بين النظام والناس ويحقق الاستقرار العام للنظام.

تزداد أهمية استطلاعات الرأي في الوضع الفلسطيني في ظل تعقيدات الوضع السياسي والاجتماعي والتغيرات المستمرة على هذه الأوضاع والحاجة الى اتخاذ قرارات واعية تجنب التصادم مع الناس في ظل التباينات المختلفة في المواقف بين اتجاهات سياسية عديدة في قضايا مصيرية ومهمة. وعلى الرغم من ذلك، إلا انه يبدو واضحا لكل مراقب أن صانعي القرار في السلطة لا يأخذون نتائج هذه الاستطلاعات على محمل الجد، بل قد لا ينظرون إليها أصلاً. قد يؤدي هذا لخلق الانطباع لدى الناس بان صانعي القرار لا يهتمون بآراء الناس وتوجهاتهم، وقد يعزز هذا بدوره إمكانية حدوث الصدام بين الشارع والسلطة. 

تلقي هذه الورقة الضوء على مدى جدية واهتمام صانعي القرار في السلطة باستطلاعات الرأي العام وآراء الناس والأسباب التي قد تدفعها لذلك. 

 

هل تقيم السلطة وزناً لآراء الناس؟ 

 

للإجابة على هذا السؤال سنستعرض كيفية تعامل صانعي قرار السلطة بموضوعين هامين خلال الفترة الأخيرة. يوضح هذان المثالان الحديثان مدى ضعف متابعة السلطة للرأي العام الفلسطيني حتى عندما يتعلق الأمر بسياسات وقرارات شديدة الأهمية.  الأول، هو قضية الضمان الاجتماعي، والثاني هو التنسيق الأمني مع الأمن الإسرائيلي.

 

أصدرت السلطة الفلسطينية قانوناً للضمان الاجتماعي في نهاية عام 2018 بغرض تطبيقه على العاملين في المؤسسات غير الحكومية. واجه هذا القانون انتقادات كبيرة من الشارع الفلسطيني تحولت إلى حراك شعبي كبير ضد القانون وضد تطبيقه، وقد توسع الحراك شيئاً فشيئاً حتى شمل كافة المدن الفلسطينية. أشارت استطلاعات الرأي العام الى ان الغالبية العظمى من الجمهور الفلسطيني يرفضون قانون الضمان الاجتماعي. بدا ذلك واضحا في نتائج استطلاع للرأي اجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في منتصف ديسمبر 2018[1] حيث أظهر أن 65% من سكان الضفة الغربية يعارضون تطبيق هذا القانون، وأن المعارضة له ترتفع لتصل الى 84% بين من سينطبق عليهم القانون. تم نشر هذه النتائج في الاعلام وفي الصحف المحلية في حين بدا واضحاً أن صانعي القرار في السلطة لم يلتفتوا لتلك النتائج، بل أظهرت تصريحات قيادات في السلطة انهم مغيبون عن الشارع تماماً. فقد صرح وزير الحكم المحلي في السلطة الفلسطينية بتاريخ 19-1-2019[2] أن: "من يقود الحراك ضد الضمان الاجتماعي يسكن في كريات أربع، والخليل تنساق خلفه". أثار هذا التصريح ضجة كبيرة لدى الشارع وتعزز الشعور بأن هناك انفصال بين صانعي القرار وحاجات الناس ومتطلباتها. يقول أحد المعلقين على الفيس بوك عن تصريحات الوزير: "هو سياق كامل من الاستعلاء على المواطن  ببساطة، لأن المواطنين خارج حسابات المسؤولين."

 

في مقابلة للكاتب مع وكيل وزارة العمل السيد سامر سلامة[3] قال أنه أثناء مشكلة الضمان الاجتماعي لم يطلع هو شخصياً على استطلاع موثوق حول آراء الناس في موضوع الضمان مع أنه يرى أنه كان بحاجة الى ذلك بصفته واحداً من صانعي القرار، ويقول انه لا يوجد جهة مختصة في الوزارة او السلطة لتزويدنا وتزويد صانعي القرار بمثل هذه النتائج، وأنه لم يطلع على استطلاع المركز الفلسطيني المشار اليه اعلاه.

يتعلق المثال الثاني بالتنسيق الأمني. ليس الهدف هو الحديث عن سياسة التنسيق الأمني بحد ذاتها ولكن الهدف هو كيف يتعامل صانعوا القرار مع نتائج الاستطلاعات وتوجهات الناس حول قضايا حساسة كهذه. يعد التنسيق الأمني مع الاحتلال من الأمور الحساسة التي تواجه رفضاً كبيراً من أغلبية الفلسطينيين والتي قد تلعب دوراً هاما في زعزعة الثقة بين الجمهور الفلسطيني والسلطة الفلسطينية. ولكن على الرغم من ذلك لا يبدو ان صانعي القرار في السلطة ينظرون الى هذا الامر على محمل الجد وهو بأمر ليس بخافٍ على الجمهور. فعلى الرغم من أن استطلاعات الرأي العام[4] أشارت بشكل متكرر الى أن الغالبية العظمى تطالب بوقف هذا التنسيق، إلا أنها تشير أيضاً إلى أن الغالبية العظمى ترى أن السلطة لن تقوم بوقف هذا التنسيق. وهذا يدل بشكل واضح على أن الناس لا يتوقعون من السلطة أن تأخذ رأيهم على محمل الجد. مع ذلك لم يصدر عن السلطة أي توضيح مقنع للناس حول التنسيق الأمني وشكله وصعوبات التخلي عنه. وهذا يبقي التساؤل مفتوحاً لماذا لا تنظر السلطة لنتائج الاستطلاعات بجدية؟ أي لماذا لا تعطي اعتباراً لآراء الناس.

 يقول الدكتور عمار دويك مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في مقالة حول التنسيق الأمني[5] "لا شك أن موضوع التنسيق الأمني من أكثر المواضيع حساسية ومثاراً للجدل في السياسة الفلسطينية. ورغم كثرة الحديث عن الموضوع، إلا أن تفاصيل التنسيق الأمني، من حيث مدى سيطرة المستوى السياسي عليه ومتابعته لتفاصيله، وكيف يتم، وعلى أي مستوى، وما هي طبيعة المعلومات التي يتم تمريرها وبأي وسيلة اتصال، تبقى قيد الكتمان ولا نعرف الكثير عنها.كما لم يجري أي حوار هادئ وموضوعي على المستوى الوطني بشأن التنسيق الأمني، وإنما للأسف نجد أن لغة التخوين والمزايدات السياسية هي التي تحكم منطق النقاش في هذا الموضوع في أغلب الحالات". وهذا يوضح أن هناك استياء عام لدى الشارع من الكيفية التي تتعاطى بها السلطة من تجاهل آراء الشارع في مواضيع حساسة قد تثير نقمة الناس عليها.

من جهة أخرى يبدو واضحاً أن مراكز استطلاعات الرأي لديها انطباع سلبي عن مدى اهتمام صانع القرار بنتائج الاستطلاعات التي تصدرها. يرى د. نادر سعيد مدير مركز أوراد[6]، وهو مركز لاستطلاعات الرأي في الضفة الغربية، أن النظام السياسي الحالي يشهد تراجعاً كبيراً في الاهتمام باستطلاعات الرأي وبالرأي العام إجمالاً، ويرى أن ذلك يعود الى أن النظام السياسي القائم حاليا هو أكثر مركزية وفردانية، وهناك شعور عام لديه أنه لا يوجد فائدة من الحوار بين المجتمع المدني ومراكز البحث ومؤسسات السلطة. ويضيف أنه لا توجد آلية ممنهجة للتعامل مع الرأي العام ودراسته، ولا يوجد صانع قرار فلسطيني يجلس وينظر الى الاستطلاعات بشكل دوري ومنظم وممنهج بحيث يمكن من خلال ذلك بلورة سياسات وقائية أو علاجية. ويقول أن هذا كان واضحاً من خلال تجربتنا في استطلاعات كثيرة، ويعتقد أن هناك نوعاً من عدم الوعي لأهمية هذه الاستطلاعات، ونوعاً من عدم القناعة بنتائج هذه الاستطلاعات لأن بعض صانعي القرار يعتقدون أنهم يعرفون عن المجتمع أكثر من الاستطلاعات.

يقول سامر سلامة أنه على الرغم من أنه شخصياً يهتم باستطلاعات الرأي العام ويرى أنها مهمة وأنه يجب أن تكون هناك استطلاعات حول قضايا عامة لمعرفة آراء الناس فيها بشكل مستمر ودائم، إلا أنه يرى أن بعض صناع القرار ينظر إليها باستخفاف ويرون أن ذلك كله حبر على ورق. ويقول ان ثقة المسؤولين باستطلاعات الرأي ضعيفة أو أنهم لا يدركون أهميتها. كما بين أنه لا يوجد في وزارة العمل جهة تتابع استطلاعات الرأي بشكل منظم، وأنه إن وجد هناك اهتمام بالاستطلاعات فإن ذلك يكون اهتماماً شخصياً.[7]

 

لماذا لا تأخذ السلطة بنتائج استطلاعات الرأي؟

يعود عدم اخذ السلطة بنتائج استطلاعات الرأي لواحد أو اكثر  من ثلاثة عوامل:

الأول، عدم الثقة بنتائج استطلاعات الرأي العام: قد يكون هذا هو أحد العوامل التي تدفع صانعو القرار لعدم الأخذ بنتائج استطلاعات الرأي، إذ يرى سامر سلامة أن نتائج الاستطلاعات قبيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية في كانون ثاني 2006 (والتي  ثبت خطأ تنبؤاتها، حيث كانت الاستطلاعات تشير الا أن حركة فتح ستفوز في اغلب المقاعد، ولكن النتائج أظهرت فوز كتلة الإصلاح والتغيير التابعة لحركة حماس بأغلب المقاعد) قد تكون تركت انطباعات سلبية عن مصداقية هذه الاستطلاعات، وأعطت انطباعاً لدى الكثير من صانعي القرار بأن ما يصدر عن هذه المراكز غير دقيق. يقول سلامة أنه في نقاشات مع بعض صانعي القرار وعند الحديث عن نتائج بعض الاستطلاعات تكون ردة فعلهم سلبية وينظرون اليها بعدم ثقة.

ولكن إن كان هذا هو السبب فهو غير مبرر. فالتشكيك يجب أن يبنى على أسس علمية منهجية ومتابعة لآلية عمل مراكز الاستطلاعات ومدى التزامها بالمناهج العلمية في اختيار العينات وفي صياغة الأسئلة وقراءة النتائج. وهذا كله لا يحتاج إلى جهود كبيرة، ومع ذلك لا تقوم السلطة بهذا الأمر. يقول سلامة: "على الرغم من التشكيك بالاستطلاعات، إلا أنه لا يوجد متابعة للتدقيق في منهجية الاستطلاع، وإذا كان هناك اهتمام يكون غير منهجي"[8]. يعمل كاتب هذه الورقة منذ أكثر من 15 عام كمسؤول عن وحدة البحوث المسحية في المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، وهو مركز يجري استطلاعات رأي كل ثلاثة شهور منذ عام 2000 ، وخلال هذه الفترة نادراً ما تقدمت جهات رسمية باستفسارات حول آليات العمل والمنهجيات رغم أنه تصلنا الكثير من الاستفسارات والأسئلة حول منهجيتنا من طلاب وديلوماسيين دوليين. وهذا يعني إما أن السلطة تشكك بهذه الاستطلاعات بناءً على أسس غير علمية، أو أنها لا تأخذ هذه النتائج أصلاً على محمل الجد.

 

الثاني، عدم الاهتمام بآراء الناس  وتوجهاتهم: قد يرى البعض بأن القيادة وجدت وانتخبت لتقود الناس الى ما هو خير للدولة وللمجتمع وأنه ليس عليها أن تعمل حسب رغبات الناس، فقد تكون هي على معرفة  واطلاع أكثر من الجمهور وبالتالي تكون أقدر على وضع السياسات التي تحقق مصالح الناس وإن كانت مخالفة لما تراه الأغلبية من الجمهور. لاشك بأن هذا صحيح في كثير من الأمور، فهناك أمور تتعلق بمواضيع فنية تحتاج إلى الخبراء، وليس لعامة الجمهور، لسن السياسات لها. كما أن هناك حالات كثيرة يكون فيها على صانع القرار اتخاذ قرارات سريعة بدون أن يكون لديه الوقت لمعرفة رأي الجمهور وعليه، يكون على القيادة اختيار ما هو أصلح. لكن هذا لا يعني بتاتاً الاستهتار بالرأي العام والتعامل معه وكأنه ليس موجوداً. ينبغي على القيادة أن تعطي وزناً لتوجهات شعبها وأن تضع الأساليب المناسبة للتوضيح للجمهور عن مكامن المصلحة فيما تراه، وبالتالي تحدث توازناً بين الرأي العام وقراراتها.

إن إهمال الرأي العام يعد مؤشراً خطيراً على احتمالية تكرار الصدامات بين الشارع والسلطة في المستقبل. إن عدم أخذ آراء الناس حول أداء النظام الحاكم وعمل مؤسساته ومواقف قياداته وتقييمهم لكل ذلك كان سبباً مهماً في نشوء الثورات في البلدان العربية المجاورة. تظهر نتائج الباروميتر العربي في دورته الخامسة الأخيرة  (وهي دراسة مسحية تجرى في معظم الدول العربية، بما في ذلك فلسطين، منذ عام 2006 وحتى عام 2019 )[9] أن مجموعة من مؤشرات الرأي العام يمكن أن تعطي إنذاراً عن قرب حدوث إضطرابات في الشارع العربي. فمثلاً، أظهرت نتائج  الباروميتر العربي أن السودان والجزائر ولبنان، التي حدثت فيهما الموجة الأخيرة من الحراك الشعبي، معرضتان أكثر من غيرهما لغضب الجماهير من خلال مؤشرات مثل فقدان حرية التعبير، والوضع الاقتصادي السيء، والاعتقاد بوجود فساد بنسب عالية جداً قد تزيد عن الثلثين من الجمهور. ولكن، وكما هو الحال في أغلب الدول العربية، لا يأخذ صانعو القرار بآراء الناس أو لا يعنون أنفسهم بالاطلاع عليها.

يسير صانعو القرار في السلطة الفلسطينية على نفس خطى اشقائهم صانعي القرار في الدول العربية من حيث الاستخفاف بآراء الناس، أو هذا على الأقل ما يشعر به الناس فعلا، وهذا ما بيناه سابقا ، وهم بذلك يفقدون ثقة الشارع شيئا فشيئا. يبدو أن عدم وجود انتخابات لفترة طويلة وعدم إمكانية حدوث ذلك قريبا وتحول النظام شيئا فشيئا الى التفرد بالسلطة ، قد جعل صانعي القرار لا يلقون بالاً إلى آراء جمهور ويظنون أنه لا يهدد مستقبلهم السياسي من خلال صناديق الاقتراع .

 

الثالث، ضعف الجهات المخولة بمتابعة الرأي العام وتوجيه التوصيات لصانعي القرار:  قد يكون لدى صانعي القرار أو أغلبهم اهتمام بشكل فردي باستطلاعات الرأي وآراء الناس ولكنهم يعتمدون على اجتهادهم الشخصي حسبما يتاح لهم، وهذا ما أشار اليه سامر سلامة ونادر سعيد عند إشارتهم إلى أنه لايوجد متابعة منظمة وممنهجة لاستطلاعات الرأي لتنعكس في صناعة القرار، والاعتماد على الحاشية المنعزلة أصلا عن الشعب لتقديم المشورة والتأثير على صانع القرار دون الاكتراث لانطباعات الجمهور ومواقفه وآرائه.

 

خلاصة:

لا تقتصر المسؤولية عن إهمال دور الرأي العام على صانع القرار، بل تتعداه لتشمل مراكز البحث واستطلاعات الرأي. من هنا فإن توصياتنا تشمل الطرفين معاً. من جانب، لا بد من أن تعدل السلطة وصانعو القرار فيها سياساتهم تجاه عدم الجدية في النظر لاستطلاعات الرأي وآراء الناس، ليس فقط لتكون قراراتها وسياساتها انعكاساً لما يريده من وضعوهم في مركز صنع القرار، وهم الشعب، ولكن أيضا لتجاوز صدامات محتملة قد تحدث مع الناس في أي لحظة. من جانب آخر، على مراكز البحث في الرأي العام مسؤولية كبيرة في كسب ثقة السلطة والجمهور الفلسطيني لتجعل من هذا البحث العلمي مرجعاً ذي مصداقية.

وعليه من الممكن أن تقوم السلطة بما يلي:

  1. زيادة توعية العاملين لديها وخاصة صانعي القرار بأهمية الرأي العام ومتابعته بشكل مستمر
  2. تشكيل جهة مختصة لدى الرئاسة أو مجلس الوزراء لتكون متخصصة بمتابعة الرأي العام ودمج توصيات هذه الجهة في التحليلات المقدمة لصانع القرار وأن تعمل هذه الحهة على فحص منهجيات مراكز استطلاعات الرأي والعمل معها من خلال النصح والتشاور لتحسين أدائها عند الضرورة .

في المقابل، تعاني العديد من مراكز استطلاعات الرأي من معيقين كبيرين في الطريق لنيل الثقة من الجمهور وصانعي القرار وهما التحيز السياسي والبحث عن التكلفة الأقل. على هذه المراكز أن تكون على إدراك بهاتين القضيتين والعمل بجد للتغلب عليهما: 

  1.  على مراكز الاستطلاعات أن تفهم أنها ليست أحزاباً سياسية أو مجموعات ضغط ذات مصالح سياسية وعليها أن تفهم أن العدو الأول للبحث الجيد ذي المصداقية هو وجود تناقض في  المصالح في عملها لأن هذا التناقض كفيل بالتحول لتحيز سياسي بدون إدراك الباحثين في هذه المراكز لذلك. إن العمل لضمان بحث موضوعي لا يشوبه التحيز هو أصعب التحديات التي تواجه الأبحاث المسحية. ينبغي على الباحث إدراك نقطة الضعف هذه واتخاذ الإجراءات الضرورية اللازمة ليتمكن من تحييد أي تحيز لديه. 
  2.  على مراكز الاستطلاعات والبحث عموماً، وخاصة التجارية منها، ألا  تسمح لنقص التمويل، أو الحاجة للتنافس للحصول على مشاريع البحث أو العطاءات، بأن يأتي على حساب منهجية البحث ومصداقيته، فتجد نفسها تضحي بالدقة وبالتدريب الضروري لإنجاز العمل بموضوعية أو بدون الوسائل والمعدات اللازمة. إن ممارسة البحث في ظل القيود المالية تدفع بعض المراكز للجوء للطرق الرخيصة والباحثين الميدانيين ممن لا  كفاءة لديهم. ينبغي التوقف التام عن هذه الممارسات لكي تتمكن البحوث الاستطلاعية من استعادة مصداقيتها وثقة الجمهور بها. هناك بالطبع درجة من المسؤولية تقع على عاتق الممولين لهذه الأبحاث إذ ينبغي عليهم التدقيق في منهجية الأطراف المشاركة في العطاءات أو الدعوات للمشاريع البحثية.
 

[3] مقابلة أجراها الباحث مع السيد سامر سلامة وكيل وزارة العمل بتاريخ: 19/8/2019

[6] مقابلة اجراها الباحث مع الدكتور نادر سعيد مدير مركز أوراد بتاريخ: 12/8/2019

[7] سامر سلامة، مصدر سابق.

[8] سامر سلامة، مصدر سابق. 

Arabic

Role of public opinion in policy making

Professionally prepared public opinion polls represent one of most penetrating means of measuring the attitudes of the public on various socio-political issues. Proficient polls rely on scientifically tried and tested methodology that includes sample selection and design of the questions, among others.  By examining its methodology, one can easily ascertain the validity and reliability of polls. As democracy gained ground, survey research became essential because it provided the means to explore public positions and demands in the various aspects of political life, including electoral behavior. As a result, survey research gained significant attention in democratic countries while attracting little attention in countries in their early stages of transition to democracy and no interest at all in authoritarian and totalitarian countries.

Public opinion research allows policy makers to uncover public needs and positions toward important policy questions thereby allowing them to take effective measures consistent with pubic requirements. It allows decision making to become more evidence-based and more responsive to the most urgent societal priorities while helping policy makers to avoid confrontation with the public. In doing so, it contributes to the formation of trust and harmony between the public and the political regime which helps to consolidate stability. 

In the Palestinian case, a need exists to pay attention to public opinion polls due to the considerable complexity of the socio-political conditions and the rate of change in these conditions and the need to make carefully studied decisions that help avoid direct conflict with the public. There are considerable differences among Palestinians on some of the most vital political issues and survey research can easily demonstrate the gap between the public and the policy makers. Yet, it is evident that Palestinian policy makers pay little attention to survey research and show little interest in finding out what Palestinians think. One can hypothesize that the leaders of the Palestinian Authority (PA) do not care about public views and demands. Such a conclusion might lead one to anticipate the likelihood of internal confrontations: the PA against the people.

This critical policy brief sheds light on the issue by exploring the seriousness with which PA policy makers view Palestinian public opinion and proposes ways of probing the reasons for this PA behavior. 

 

Does the PA take the Palestinian public seriously?

To answer this question, we will review the manner in which PA policy makers addressed public response to two recent policy issues. It is evident that for most of the time, policy makers showed little or no attention to public needs in two occasions: when addressing the case of public opposition to the proposed social security system and the case of security coordination with the Israeli security sector. 
The PA issued a social security law around the end of 2018 with the intention of implementing the law by applying it on those who work in the private and non-governmental sectors. The law was met by a fierce opposition among the public that soon developed into a popular movement determined to derail its implementation. The movement expanded to all cities in a relatively short period of time. Public opinion surveys showed very early on that the overwhelming majority of the public rejected the law. Indeed, by mid-December 2018 a poll[1] conducted by the Palestinian Center for Policy and Survey Research (PSR) showed that 65% of the public in the West Bank opposed the implementation of the law and that this opposition rises to 84% among those who would be directly affected by it.  These findings were widely published in the local media. But it seemed that policy makers were oblivious of the findings.  Indeed, policy makers continued to demonstrate total ignorance of public mood. On 19 January 2019, the minister of local government publicly stated[2] that the “leader of the anti-social security law movement in Hebron lives in the settlement of Kiryat Arba and that the city just follows him.” The minister’s statement fueled public anger and consolidated the prevailing public perception of the huge gap between the public and the policy makers and the extent to which policy makers are willing to turn a blind eye to vital public needs. One Facebook comment argued that the episode reveals “a whole context of supremacy and invincibility over citizens exhibited by policy makers who rule out public needs as irrelevant.”

 

In an interview with the author[3], deputy minister of labor, Mr. Samir Salamah, stated that throughout the period in which the issue of the implementation of the social security law was being debated, he himself was not aware of any trusted findings on public views regarding the issue despite the fact that he, as one of the relevant policy makers, surely needed one and that he was not made aware of the results of PSR poll mentioned above. Salamah added that there is no department at the ministry, or at the entire PA, whose task was to ascertain public views on such matters.

The second example is an ongoing one involving PA security coordination with the Israeli security sector. The aim is not to discuss the policy itself; rather, we want to examine how policy makers viewed public attitudes regarding this and other similar critical issues in PA policy. It is evident from polling results that a clear majority of Palestinians are opposed to continued Palestinian coordination with Israel regarding security matters. This issues has the potential of damaging trust between the Palestinian public and the PA. Yet, policy makers seem uninterested in addressing the matter in a serious manner, a fact that is not hidden from the Palestinian public. Palestinian polls[4] have shown strong public demand for the termination of security coordination. The same polls have also shown that the public does not expect the PA to take its views on this matter seriously. On its part, the PA has done little to provide the public with a convincing argument in favor of continuing its current policy. Nor has the PA explained the types of coordination involved, the expected benefits of such a policy, and the difficulties involved in terminating it. The question one needs to address is why the PA makes no effort to seriously consider public opinion when reviewing its policy.

Dr. Ammar Duwaik, director general of the Palestinian Independent Commission for Human Rights has stated in an article on the subject[5] that this is “one of the most sensitive and controversial issues in Palestinian politics,” and that despite a great deal of public interest on the subject, “details on the nature and types of this coordination, the extent to which civilians are in control of this policy, and the how and what kind of intelligence information is shared or passed on remain hidden from the public.” He adds that “there has not been any quiet and objective dialogue at the national level regarding this matter.” Instead, the debate has been overwhelmed by mud-slinging and mutual accusations of treason. This environment only contributes to public distrust of the policy and the PA disregard of public opinion.

It is worth noting in this regard that public opinion firms have developed a negative impression of the extent to which the PA cares about their poll findings. Nadir Said[6], director of AWRAD,  center for public opinion polling located in the West Bank, notices that the current PA regime shows less and less interest in polls and public opinion in general and he attributes that to what he sees as a tendency in the regime to become more centralized and under the control of a single individual. He senses that the PA policy makers see no point in a dialogue with civil society or research centers. He thinks that the PA has not developed an interest in studying or addressing public opinion needs and that no policy maker is willing to pay attention to polling research in any systemic way; thereby the PA finds itself lacking any readiness to develop preemptive or counter strategies to win hearts and minds. Said come to these conclusions based on his own experience in polling research. He concludes that there is lack of awareness on the part of the PA of the importance of public opinion research and a readiness to dismiss it as unimportant and irrelevant and that policy makers tend to think that they know more about the society than revealed by the polls.

Mr. Salamah agrees in part with this assessment. While he personally expresses interest in public opinion research, views it as important, and believes that it is critical that on-going research must be maintained, he nonetheless think that some policy makers treat opinion research with disdain, mere ink on paper. He adds that the trust of policy makers in polling is very limited and that they do not appreciate its importance. He explains that his ministry has no body whose responsibility is to gather updated information of public sentiments and that if some individuals show such an interest, it is usually a personal initiative.[7]

 

Understanding PA’s lack of interest in public opinion research:

One or more of the following factors are responsible for the lack of PA interest in public opinion research: distrust in poll findings, disregard of public opinion, institutional weakness within the PA that hinders its ability to ascertain public preferences.

1. Distrust in public opinion research: Among all factors, this might be the most critical in pushing policy makers away form public opinion. For example, Mr. Salama was quick to point out that polling results failed in 2006 to predict Hamas’s electoral victory when all polling centers predicted a victory for Fateh only to see Hamas winning a sweeping victory on the day of elections. This might have led to a great suspicion among policy makers and the public at large of the credibility of polling centers. Indeed, Salamah indicates that when the subject of polling is opened for discussion, the reaction is usually negative and distrustful.    
If this is the only reason to disregard public opinion, it is certainly unwarranted. Skepticism about survey research must be based on methodological and scientific bases and a follow up to the progress made in state of the art of this research. It should be based on an examination of the methods currently employed in the polling centers at all levels, sample selection, design of questions, and statement of findings. This is not a difficult task at all; yet, the PA shows no interest in exploring it. As Salamah indicates, “despite the skeptical reception of polling, there is no interest in examining its deficiencies or in exploring research methodology.”[8] The author of this brief has been working for the past 15 years as a head of the polling unit at PSR, a survey research center that has been conducting quarterly surveys among the Palestinian public since 2000. Only in rare occasions did I receive requests for a description of our research methodology from PA officials despite the fact that we receive plenty of enquiries from international students and diplomats. This lack of interest in methodology on the part of the PA clearly indicates either a skepticism about the poll findings based on non-scientific analysis or that the PA has no interest in public opinion in general.

 

2. Lack of interest in the opinion of the Palestinian public: Some policy makers might subscribe to the notion that leaders’ job is to lead the public rather than being led by it; that instead of following a swinging public mood, leaders’ job is to do what they think is in the best interest of the country regardless of the prevailing public opinion at any given moment. Needless to say, this is a valid position in many cases. In some cases, policy makers face problems that require expert, not public, opinion. Moreover, leaders often have to make swift policy decisions long before public opinion is known. Still, complete disregard to public opinion is not only unwise, but also risky. Ultimately, leaders’ job is to strike a balance between leadership and representation of the views of the public that elected them. When a need arises to disregard public opinion, leaders must provide clarification and seek to persuade the public that their own unpopular policies are worth testing.  
The risks involved in disregarding the views of the majority of the Palestinian public are evident in the scenes of confrontations between the public and the masses in countries like Lebanon, Iraq, Sudan, and Algeria and before that in those countries of the first wave of the Arab Spring. Indeed, the findings of the latest wave of the Arab Barometer[9], a survey of public opinion conducted regularly in most Arab countries since 2006, including Palestine, provides valuable indicators of trends in the Arab world. For example, the 2018-19 indicators highlight the extent of extreme discontent in countries like Algeria, Sudan and Lebanon thereby providing an early warning sign for policy makers, but only to those who do care about their own publics. These indicators of discontent include areas such as room for free speech, perception of prevailing and future economic conditions, perceptions of corruption, and so on.  
PA policy makers follow the steps of their counterparts in the Arab countries in disregarding and underestimating the level of discontent among the Palestinian public. It should be clear to those policy makers that the public is fully aware of this fact. The result is a huge loss of trust. It is of course possible that the fact that Palestine has not witnessed any general elections since 2006 and the fact that elections might not take place any time in the near future might inevitably lead to authoritarianism and with it a total disregard to public opinion. Indeed, leaders will ignore their public as long as the public is not a threat to their place of power through the voting booths.  

 

3. Institutional weaknesses in the PA: Individual PA policy makers might have an interest in public opinion but the lack of institutional support forces them to rely on their own initiative making it difficult to regularly incorporate public attitudes in their own policy input. As both Mr. Salamah and Mr. Said indicated, PA public institutions lack a systemic follow up or a regular review of existing public opinion research and the PA itself does not invest in building its own capacity to assess public opinion. This lack of readily available data on public positions from trusted sources forces senior policy makers to rely on instinct or guesses of their own and those of their close advisors that might not be informed by any kind of evidence.  

 

Conclusions and recommendations

It is evident that the problem involved in the lack of attention to public opinion involves not only the policy making circles, but also the polling centers. Therefore, our recommendations address both sides. On the one hand, the PA must reassess its position regarding public opinion research not only to ensure that its policies are consistent with public needs and demands, but also to avoid conflict and the potential for violent confrontations with the public that placed them in their positions. On the other hand, polling centers share a responsibility that requires them to make an effort to regain public and PA trust in their research and in restoring the credibility of scientific research and methods.

The PA should do the following:

  • It should educate its own staff and policy makers on the importance of public opinion and the need to carefully monitor it and find ways to measure public response to PA-initiated policies.
  • The PA should establish a unit in the office of the president and/or the prime minister whose job is to monitor public attitudes. This unit should seek to inform policy making by routinely imbedding public opinion research in policy analysis. In doing so, it should also work closely with polling centers, examine their methods, and provide advice when necessary while showing willingness to consult. 

Many Palestinian polling centers suffer from two major impediments to trusted public opinion research: political bias and cheap data. They must be aware of these impediments and find ways to overcome them.

  • First, they should keep in mind that they are not political parties or advocacy groups and that the first enemy of good and reliable research is a conflict of interest that might inadvertently cloud minds of researchers and methods of research. Objective research, not tainted by political biases, is the most difficult problem to address. Researchers must be fully aware of it and must take deliberate precautionary measures to neutralize their biases.
  • Second, polling centers, particularly the commercial ones, should not allow lack of funding to sacrifice rigorous and verifiable research methods. Polling centers who have to compete for funding or take part in biddings to secure badly needed funds tend to reduce costs embodied in fully trained manpower or utilization of advanced equipment. This is a highly problematic practice that must be stopped before polling can regain public and PA trust. In this regard, a certain responsibility lies with the funders themselves, particularly those who place a great focus of bids assessment on cost. It is their responsibility to insure full commitment to sound research methods, not only on paper, but also on the field.
English

 

 

تنطلق هذه الورقة من ثلاثة افتراضات. أولاً: موت حل الدولتين أو استحالة تحقيقه، وذلك بسبب التوسع الاستيطاني الاسرائيلي في أراضي الدولة الفلسطينية المنشودة وغياب القضية الفلسطينية عن برامج الأحزاب الفاعلة في اسرائيل من جهة، وغياب الأدوات الفلسطينية الفاعلة في الوضع الراهن للضغط على اسرائيل من جهة أخرى. وكذلك بسبب عجز أو عدم رغبة المجتمع الدولي في الضغط على اسرائيل لإنقاذ هذا الحل، فضلاً عن أن حل الدولتين لا يقدم حلاً عادلاً لقضية اللاجئين الفلسطينيين ولهذا السبب أيضاً يرى كثير من الفلسطينيين والاسرائيليين بأن حل الدولتين حتى لو تحقق فإنه لن يكون نهاية الصراع.

والافتراض الثاني هو أن إنهيار السلطة الفلسطينية مسألة وقت، إما لأسباب اقتصادية أو بسبب صراع داخلي على السلطة، فضلاً عن فقدانها لمبررات وجودها وفشلها في تقديم نفسها كنواة لدولة ديمقراطية تحترم حقوق مواطنيها وتفصل بين السلطات وغير فاسدة كما أرادها الفلسطينيون، حيث يقول 23% فقط من فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة بأن الديمقراطية في  نظام الحكم في السلطة الفلسطينية جيدة أو جيدة جداً مقابل 57% لاسرائيل([1]).

أما الافتراض الثالث فهو إستحالة استمرار الوضع الراهن في المنطقة الواقعة بين البحر والنهر. إن الوضع الراهن ليس إلا صورة لواقع دولة واحدة تفرض فيه إسرائيل كل يوم مزيدا من الحقائق على الأرض لصالحها، وذلك بتمييز متزايد ضد الفلسطينيين. يجعل هذا التمييز من واقع الدولة الواحدة هذا نظاما عنصريا في مراحل متقدمة من التطور. مع ذلك، هناك فرصة -قد لا تدوم طويلاً- لدى الفلسطينيين لتغيير الوضع الراهن، بكشف عنصرية هذا الواقع المتبلور وفرض حل الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية، ولتحقيق مكاسب استراتيجية وتعويض الكثير من الخسائر التي نتجت عن مغامرة أوسلو.

إن الاستمرار في تبني والترويج لحل الدولتين من أطراف فلسطينية أو غيرها، هو مشاركة في استمرار معاناة الشعب الفلسطيني. بل إن هذا الخداع القائل بأن حل الدولتين مازال ممكناً قد يكلف الفلسطينيين نكبة ثانية. حل الدولتين مات وانتهى، وان السذاجة المتمثلة بتحميل الرئيس ترمب مسؤولية قتله، وبالتالي التعويل على ما بعد نهاية فترة رئاسته، غير صحيحة وغير مفيدة. بل إن ترمب -من حيث لا يدري-  قد يكون فرصة يجب اقتناصها قبل فوات الأوان، حيث إن ما قام ويقوم به هو لوقف بائعي الأوهام للفلسطينيين عند حدهم وإجبار القيادة الفلسطينية للاعتراف بخطئها وتبني استراتيجية جديدة.

 

إن من يحكم فلسطين التاريخية منذ عام 1967 هي دولة واحدة وهي إسرائيل، وهذا الحكم استمر حتى بعد اتفاق أوسلو وانشاء جهاز السلطة الفلسطينية وحتى الآن. وجدت اسرائيل ضالتها في "عملية السلام" بالالتفاف على الانتفاضة الأولى من خلال انشاء جهاز السلطة الفلسطينية ليعفيها من وصمها بالدولة العنصرية الذي كانت موصومة به من قِبل الجمعية العامة للأمم المتحدة (قرار رقم 3379 عام 1975)([2]) قبل الغائه (قرار رقم 86/46 عام 1991)([3]) بعد 45 يوم فقط من انعقاد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991. ولكن اليوم، بل مبكراً وبعد سنوات قليلة على أوسلو، بدأت تتكشف نوايا اسرائيل. وبالفعل لقد كسبت اسرائيل 25 عاماً كانت الأفضل في تاريخها على كافة المستويات من خلال إلهاء وإيهام الفلسطينيين بعملية سلام لا تنتهي بينما قامت وتقوم بتعزيز وجودها وسيطرتها والتحكم بكل مناحي الحياة اليومية للفلسطينيين، وكذلك سرقة الأراضي ومواردها وفرض أمر واقع جديد سيكون من يطالب بتغييره غير متصل بالواقع بنظر اسرائيل ونظر اللاعبين الدوليين الرئيسيين في العملية السياسية القائمة على حل الدولتين وحتى بنظر بعض الفلسطينيين.

نجحت اسرائيل باستغلال ضعف منظمة التحرير وتلهف قيادتها للعب دور جديد بعدما أصبحت تقريباً غير ذي صلة بحكم الجغرافيا وضعف وتساقط الحلفاء، وجفاف مواردها المالية، وفرضت عليها اتفاقاً هزيلاً في أوسلو يتم فيه انشاء سلطة فلسطينية لادارة شؤون الفسطينيين شكلياً بالنيابة عنها، حيث بدأت قيادة السلطة منذ اليوم الأول لإنشائها تتصرف كأنها دولة مستقلة في علاقتها مع شعبها وحلفائها، مُعطية الانطباع بأنها نواة الدولة الفلسطينية المنشودة، وليصبح فيما بعد من الصعب على هذه القيادة التفكير بالعودة خطوة للوراء. وعندما أدركت القيادة الفلسطينية بعد قمة كامب ديفيد عام 2000 بانه ليس باستطاعتها بيع مزيد من الأوهام لشعبها، وبدلاً من قلب الطاولة على الاحتلال بالتراجع خطوة للوراء وإرجاع الأمور إلى ما كانت عليه قبل أوسلو وذلك بحل السلطة الفلسطينية، برزت هنا الصعوبة التي راهنت عليها اسرئيل، أي عدم استعداد قيادة السلطة للتخلي عن مكتسباتها الشكلية والفردية.

المفارقة، أنه وبعد حوالي عشرين عاماً على انتهاء المرحلة الانتقالية (1999)، وفشل قمة كامب ديفيد (2000)، وفي ظل افتقار القيادة الفلسطيينة لأدوات الضغط والتأثير، وفشل استراتيجية التدويل وعزل إسرائيل، يبقى خيار حل السلطة الفلسطينية هو الخيار الوحيد بيد القيادة الفلسطينية لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه. والدليل على أنه الخيار الوحيد هو تهديد رأس هرم منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية منذ عشر سنوات بحلها و "تسليم المفاتيح" للاحتلال، وقراره بوقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع اسرائيل في شهر تموز/يوليو الماضي رداً على هدم بيوت فلسطينية يقع بعضها في منطقة "أ" في وادي الحمص في بلدة صور باهر قضاء القدس. ولكنها بقيت كما غيرها دون خطوات عملية وبأدنى مستوى من الجدية مما أفقدها المصداقية.  

 

حل السلطة أو انتظار انهيارها؟

إن رهان اسرائيل سابق الذكر ما زال فعالاً لدرجة أن القيادة الفلسطينية مستعدة هذه المرة للمغامرة بالتمسك بالسلطة لآخر لحظة حتى انهيارها، بدلاً من المبادرة بحلها. وهذا الانهيار وشيك ويمكن أن يحدث في أي لحظة كما ذكرنا سابقاً، إما لأسباب اقتصادية وعدم قدرة السلطة الفلسطينية على الاستمرار بأداء المهام الموكلة لها، أو بسبب صراع داخلي على السلطة، حيث أن مخاطر هذا الصراع قد تضاعفت بعد حل المجلس التشريعي الذي حسب القانون الأساسي وفي حال عدم قدرة الرئيس على القيام بمهامه أو وفاته، يصبح رئيس المجلس التشريعي هو الرئيس ليقوم بالتحضير لانتخابات رئاسية خلال مدة شهربن وهذا هو السيناريو الذي حدث بعد وفاة الرئيس عرفات.

 إن الفرق بين انتظار الانهيار والمبادرة بالحل هو فرق استراتيجي ومصيري. ففي سيناريو حل السلطة ستعود القيادة بأكملها لمنظمة التحرير والشعب معاً (ويا حبذا لو كان ذلك بالتوازي مع اجراء تغييرات واصلاحات من حيث طريقة صنع القرار وشمولية التمثيل داخل مؤسسات المنظمة لوقف النزيف المتسارع في رصيد شعار المنظمة كممثل شرعي ووحيد للفلسطينيين الذي يؤيده اليوم فقط 54%([4]) من فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة مقابل 69% قبل ثلاثة عشر عاماً) ليكونا في موقع المبادرة والقدرة على التحكم والتوجيه للاستراتيجية التي سيتم تبنيها وطرحها لمرحلة ما بعد حل السلطة. كذلك ينبغي على القيادة تزامناً مع ذلك إعطاء صلاحيات واسعة للبلديات والمجالس المحلية وتشكيل لجان شعبية في أحياء المدن والقرى لمساندة البلديات والمجالس المحلية في حفظ الأمن الداخلي وقيادة العمل الشعبي المقاوم. وعليها أيضاً المبادرة بجمع أسلحة الأجهزة الأمنية وتسليمها لطرف ثالث مثل الأمم المتحدة وذلك لتحقيق ثلاثة أهداف: أولاً، لتفادي محاولة إسرائيل جر الفلسطينيين لسيناريو الانتفاضة الثانية؛ وثانياً، خدمةً لاستراتيجية حل الدولة الواحدة التي سيتم تبنيها والقائمة على المقاومة الشعبية السلمية؛ وثالثاً، لضم المزيد من الاسرائيليين اليهود لمشاركة الفلسطينيين في نضالهم لإنهاء النظام العنصري.

 أما في سيناريو الانهيار، وما يمكن أن يتلوه من فوضى وفلتان أمني وصراع مسلح، فإن إسرائيل ستكون في موقع المتحكم في الأمور لدرجة أنها قد تستغل هذا الوضع بارتكاب نكبة ثانية بحق الشعب الفلسطيني يكون مسرحها الضفة الغربية. بل إن اسرائيل كدولة قد لا تكون مشاركاً رئيسياً في النكبة الجديدة بترك الأمر للمستوطنين الذين تزايدت اعتداءاتهم في السنوات الأخيرة ووصل عددهم في الضفة الغربية إلى أكثر من 600 ألف([5]) مستوطن لا ينقصهم السلاح لارتكاب نكبة جديدة بحجة الدفاع عن النفس في أجواء الفوضى والفلتان الأمني التي من المرجح أن تنشأ عقب انهيار السلطة.

إذن، لتفادي هذه المخاطر، وتلك المتمثلة في خطة "صفقة القرن" (التي لا ننتظر إعلانها، بل ننتظر فرض وتطبيق آخر عناصرها) ينبغي على قيادة منظمة التحرير الآن ودون تردد أو انتظار أن تبادر بحل السلطة الفلسطينية التي فقدت مبررات وجودها لأسباب عدة ولكن أبرزها هو إنتهاء وهم الحل القائم على "حل الدولتين". كما أن وجود السلطة هو السبب الأهم للانقسام ووجودها هو الذي يعفي اسرئيل من كلفة احتلالها، بل إن الاقتصاد الاسرائيلي يستفيد بنسبة تفوق ال70%([6]) من مجموع المساعدات الدولية للفلسطينيين. وبحلها أيضاً، من المؤكد ان تستعيد القيادة الفلسطينية جزءاً كبيراً من ثقة الشعب بها (واسترجاع الثقة هو عنصر مركزي لتبني وإنجاح لاستراتيجية وبرنامج ما بعد الحل) التي هي شبه معدومة الآن. حيث أن حوالي نصف الفلسطينيين  في الضفة الغربية وقطاع غزة يعتبرون السلطة عبء ويؤيدون حلها)[7](، رغم أنها المشغل الأكبر، ومقدم الخدمات الرئيسي لهم، وكذلك رغم الخوف من المجهول بغياب استراتيجية لما بعد الحل. ولو سألنا الفلسطينيين عن رأيهم بحل السلطة مع تقديم استراتيجية جديدة وواقعية لما بعد الحل فإن نسبة التأييد ستزداد بكل تأكيد إلى أغلبية واضحة لتنحصر المعارضة فقط بأصحاب المصالح الكبرى الذين تتعارض مصالحهم مع المصلحة الوطنية الجماعية.

من الصعب معرفة موقف وردة فعل حركة حماس -المسيطرة على قطاع غزة- من قرار حل السلطة الفسطينية. ولكن سيكون من الصعب عليها مواجهة إجماع شعبي على استراتيجية وطنية جديدة وواقعية تضمن حقوق الفلسطينيين.

 

استراتيجية ما بعد الحل: حل الدولة الواحدة

إن سياسة الانتظار التي انتهجتها القيادة الفلسطينية والتعويل تارة على نتائج انتخابات أمريكية هناك ونتائج انتخابات اسرائيلية هنا أو تغيير في سياسات الاتحاد الأوروبي ودوله لممارسة بعض الضغوط على اسرائيل قد فشلت فشلاً ذريعاً ودفعنا، وما زلنا ندفع، كفلسطينيين بسببها ثمناً باهظاً. أما خطة "صفقة القرن"، فبالتأكيد لا يمكن مواجهتها وإفشالها من خلال الانتظار أو الاكتفاء بالقول "لا" في الوقت الذي تطبق فيه على أرض الواقع. حان الوقت للاعتماد على أنفسنا فقط في فرض ما نريد ضمن خطة وطنية، والاستثمار في المواقف العربية والدولية ما أمكن، ولكن كعوامل مساعدة وليست أساسية.

خطة وطنية فلسطينية، واقعية، أخلاقية وتحظى بتأييد شعبي هي فقط الكفيلة بإفشال خطة "صفقة القرن" وغيرها من الخطط. هذه الخطة أو الاستراتيجة الفلسطينية يجب أن تكون قائمة على تبني حل الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية بحيث تضمن: (1) المساواة الكاملة بين كل مواطنيها، و(2) حق العودة للاجئين، و(3) ضمان عدم هيمنة مجموعة على أخرى، و(4) وضع خطط وبرامج قصيرة ومتوسطة المدى تعمل على جسر الفجوة بين مواطنيها في كل المجالات، خاصة في مجال الاقتصاد، على قاعدة تكافؤ الفرص والتمييز إيجابياً تجاه الفئات الفقيرة، ومجال الأمن بخطط دمج شاملة على كافة المستويات، وأخيراً، (5) يُحتم على الدولة الديمقراطية الواحدة اتباع سياسة خارجية قائمة على الحياد وعدم الدخول في أي محاور اقليمية أو دولية وذلك لأهمية هذه الدولة الدينية والتاريخية لدى معظم سكان الأرض ولصالح مستقبلها السياحي والتجاري الواعدين. 

رغم أن حل الدولتين هو البرنامج الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورغم الجهد الاعلامي والتعبوي الذي استثمرت فيه المنظمة للترويج لهذا الحل، إلا أن نسبة التأييد لحل الدولتين بين الفلسطينيين والاسرائيليين اليوم هي الأدنى منذ أكثر من عقدين ولا تشكل أغلبية عند أي من الطرفين. في المقابل، ورغم عدم وجود حزب سياسي فلسطيني واحد يتبنى خيار حل الدولة الواحدة، ورغم شعور الفلسطينيين بضعفهم وعدم قدرة قيادتهم على إجبار الاسرائيليين على قبول حل الدولة الواحدة، فإن نسبة الفلسطينيين الذين يؤيدون التخلي عن حل الدولتين وتبني حل الدولة الواحدة تبلغ 31%([8]) وتقفز نسبة التأييد إلى أكثر من 39%([9]) في حال فشل حل الدولتين.

يجب أن تكون أدوات تحقيق هذه الاستراتيجية قائمة على المقاومة الشعبية السلمية الواسعة -حيث أن معظم الفلسطينيين (63%))[10]( يؤيدون هذا الشكل من المقاومة ولكن عند سؤالهم عن سبب ضعف مشاركة المواطنين في المقاومة الشعبية تقول النسبة الأكبر (39%))[11]( أنه يعود لعدم الثقة بالقيادة. وكما ذكر سابقاً لا يمكن استرجاع ثقة الجماهير إلّا بقرار بحجم حل السلطة وبالتالي فإن ثقة الجماهير المسترجعة بالقيادة ستجعلهم مشاركين فاعلين. ولدينا مثالان واضحان على ذلك: أولًا، المقاومة الشعبية الواسعة والناجحة في القدس -حيث لا وجود للسلطة- في صيف 2017 احتجاجًا على البوابات الالكترونية التي حاولت اسرائيل تركيبها على مداخل المسجد الأقصى في البلدة القديمة في ذلك الوقت. والمثال الثاني يتمثل بالمشاركة الجماهيرية الواسعة في مسيرات العودة الكبرى المستمرة منذ آذار 2018 على حدود قطاع غزة، حيث لا وجود للسلطة أيضاً. لنتخيل مسيرات مشابهة في الضفة الغربية والقدس، وفي مناطق ال48 المتعطشة لقيادة تكون جامعة لكل الفلسطينيين تشملهم بعد أن تخلت عنهم قيادة منظمة التحرير رسمياً منذ "أوسلو" وتركتهم لمصيرهم كأقلية مميز ضدها خاصة بعد سن قانون القومية اليهودية لاسرائيل. إذن، بالتوازي مع المسيرات الكبرى في كل أنحاء فلسطين التاريخية وفضح سياسات التمييز الإسرائيلية والمطالبة بإعادة تفعيل قرار الجمعية العام للأمم المتحدة رقم 3379 لعام 1975 الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية، لنتخيل أيضاً الزخم الكبير الذي ستكتسبه حركة مقاطعة اسرائيل وفرض العقوبات وسحب الاستثماراتBDS  وفي وقت  قياسي، خاصة بانه سيكون من الصعب على الحكومات التي تحاول التضييق عليها ومحاربتها الاستمرار في ذلك خشية اتهامها بالدفاع عن واقع دولة واحدة يتصف بالعنصرية بات مكشوفا للجميع.

إن قدرة إسرائيل كدولة صغيرة على مواجهة وتحمل الوضع الجديد الناشئ المتمثل بالمظاهرات الشعبية الكبرى ووصمها سياساتها بالعنصرية والدعوة إلى مقاطعتها ستكون محدودة مما قد يجعلها تتجاوب مع مطالب الفلسطينيين بزمن قياسي، وذلك لتفادي الانعكاسات الفورية على صورتها وعلى اقتصادها الذي يتميز بالحداثة والسرعة ولا يحتمل الهزات والإرباك، وكذلك لتفادي الانعكاسات الفورية على قطاع السياحة الذي يُسجل أرقاماً قياسية متتالية آخرها عام 2018 حيث وصل عدد السائحين إلى أكثر من 4 ملايين سائح بإيرادات وصلت إلى 24 مليار شيكل (6.3 مليار دولار)([12]).  

 

موقف الاسرائيليين:

رغم أن نسبة من 54%([13]) من الاسرائيليين اليهود يصفون الوضع في اسرائيل بالجيد أو جيد جداً و30% بالمتوسط و16% فقط بالسيء أو سيء جداً، فقد قالت نسبة بلغت أكثر من (20%)([14]) من الاسرائيليين اليهود بأنهم يؤيدون خيار الدولة الواحدة الذي تتساوى فيه حقوق كل المواطنين. إن القول باستحالة موافقة الاسرائيليين اليهود على خيار الدولة الواحدة لا يمكن اختباره دون وضع اسرائيل في وضع تكون مجبرة فيه -حسب الاستراتيجية المذكورة سابقاً-  بالاختيار بين حل الدولتين أو حل الدولة الواحدة. كما يجب التذكير بوجود حوالي 2 مليون فلسطيني كمواطنين اسرائيليين يشكلون حوالي 20% من مُجمل السكان داخل اسرائيل، يؤيد أكثر من ثلثيهم([15])حل الدولة الواحدة. إن الأرقام أعلاه مؤشرات ايجابية جداَ لتقبُل بعض أطراف المجتمع الاسرائيلي لمطالب الفلسطينيين ضمن الاستراتيجية المذكورة سابقاً وكذلك لثقتهم بأن الدولة الديمقراطية الواحدة ستضمن لهم حقوقهم في المستقبل بغض النظر عن عددهم ومحاولة البعض تخويفهم من العامل الديمغرافي. وهنا من المهم الإشارة بأن هناك يهوداً اسرائيليين يصوتون لأحزاب عربية وأن أكثر من 30%([16]) من أصوات فلسطينيي الداخل في انتخابات الكنيست الأخيرة في نيسان الماضي قد ذهبت إلى أحزاب يهودية رغم وجود قائمتين عربيتين تضم أربعة أحزاب.

كذلك هناك عدة مبادرات تُطرح من قِبل اسرائيليين تأتي في إطار حل الدولة الواحدة مثل مبادرة الكونفدرالية "دولتان-وطن واحد" ومبادرة "حركة الاتحاد الفيدرالي"، إلا أنها مبادرات لا ترقى لمستوى حقوق وتطلعات الفلسطينيين ولكنها حتماً تبقى أفضل من الوضع الراهن ومن حل الدولتين في أحسن حالاته. كذلك أسس منذ حوالي عام مجموعة من فلسطينيي 48 وبمشاركة اسرائيليين يهود مبادرة بمسمى "حملة الدولة الديمقراطية الواحدة" تدعو إلى اقامة دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية تضمن المساواة بين كل مواطنيها وحق العودة وتفكيك النظام الاستعماري الصهيوني القائم. وتهدف هذه المجموعة لعقد مؤتمر للإعلان عن نفسها وعن برنامجها السياسي خلال هذا العام.

 

موقف المجتمع الدولي:

كما ذكر سابقاً، آن الأوان لنعتمد على أنفسنا بفرض وتحقيق ما نريد وتبقى العوامل الأخرى مثل الدور العربي والاسلامي والمجتمع الدولي عوامل مساعدة وليست أساسية. فالمجتمع الدولي، وخاصة في العشر سنوات الأخيرة،  وعلى رأسه الاتحاد الاوروبي أكبر الداعمين لحل الدولتين، أصبح مهتماً بإدارة الصراع وإطالة الوضع الراهن أطول فترة ممكنة، وذلك يتضح بعدم ممارسة أي نوع من الضغوط على اسرائيل أولاً، ودعمه لنظام السلطة الفلسطينية السلطوي ثانياً، وكل هذا على حساب معاناة الشعب الفلسطيني.  رغم ذلك، في خطابها أمام البرلمان الأوروبي بتاريخ 16/4/2019 قالت فيديريكا موغيريني الممثل الأعلى لسياسة الأمن والشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي: "الواقع أن حل الدولتين ليس فقط يتلاشى بل يجري تفكيكه قطعة تلو الأخرى".

كذلك يقر العديد من السياسيين والدبلوماسيين الأوروبيين بفشل وانتهاء حل الدولتين إلّا أنهم يجدون صعوبة بالإعتراف بذلك والتخلي عنه خاصة باستمرار تمسك الطرف الفلسطيني الرسمي به وبسبب استثمارهم بمليارات الدولارات في هذا الحل من جيوب دافعي الضرائب الأوروبيين. لذلك يفضل هؤلاء أن يأتي إعلان هذا الفشل من الأطراف المعنية. أما الولايات المتحدة الأمريكية، الراعي الرئيسي لعملية السلام، فمنذ قدوم ترمب للسلطة وفي أول مؤتمر صحفي مشترك مع نتنياهو في البيت الأبيض قال أنه سيؤيد أي حل يحبه الطرفان سواء كان حل الدولتين أو حل الدولة الواحدة. هذا يعني أن المجمتع الدولي الذي لم يفعل شيئا لانقاذ حل الدولتين، قد لا يُعارض حل الدولة الواحدة، بل إن حل السلطة وفضح واقع الدولة الواحدة المتبلور اليوم كنظام عنصري،  قد يضعهم في موقف لا مفر لهم منه وهو رفض هذا النظام العنصري وتأييد دولة ديمقراطية تساوي بين جميع مواطنيها.


[7] http://www.pcpsr.org/ar/node/622  يشير آخر استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أن نسبة الذين يعتبرون أن السلطة عبء بلغت 48% وهبطت نسبة الذين يؤيدون حلها إلى 38%

Arabic

 

 

 

This paper is grounded on three assumptions. First, it takes for granted the death or the impossibility of achieving the two-state solution due to the non-stop Israeli settlement expansion across the territories of the long-yearned for Palestinian state. Moreover, the Palestinian cause is off the agenda of the various Israeli parties and there is no genuine international willingness or ability to bring pressure to bear on Israel to have the withering solution off the hook. Many Palestinians and Israelis believe that by failing to provide a just solution to the problem of the Palestinian refugees, the two-state option, even if achieved, would not bring the conflict to an end.

Second, the collapse of the Palestinian Authority (PA), either due to economic causes or to internal conflict over power, is a mere matter of time. Falling short of the Palestinian people’s expectations, the PA has lost the grounds of its raison d'être and has failed to prove itself as a midwife for a corruption-free democratic state that respects citizenship rights and adheres to the separation of powers. For example, while 57 per cent of the Palestinians in the West Bank and the Gaza Strip deem Israel’s democracy good or very good, only 23 per cent do the same for the PA regime.[1]

Third, it is impossible to perpetuate the status quo that prevails today between the sea and the river.  The status quo depicts a picture of a one-state reality in which Israel imposes every day more facts on the ground in its favor, with a growing discrimination against Palestinians. This discrimination renders the one-state reality as an advanced form of racism.  Still, the Palestinians do have a chance, which may not last for long, to change the status quo by exposing the racism of this developing de facto reality and forcing the establishment of a democratic one-state solution in historic Palestine, one that can serve the interests of the Palestinians and compensate for the losses inflicted by the Oslo Accords.

The continued determined adoption and promotion of a two-state solution by Palestinians or other parties contributes to the perpetuation of the suffering of the Palestinian people. What is more, marketing the two-state solution as a viable option might cost the Palestinians a second Nakba (catastrophe). Bottom line, the two-state solution is dead and gone. It is, furthermore, nonsensical and incorrect to hold President Trump responsible for this eventuality, and thus rely on the day after the Trump Administration. Indeed, Trump, quite unwittingly, might be an opportunity to be seized on before it is too late. What he has done, and is doing, puts a stop to the Palestinian false hope dealers, railroading the Palestinian leadership to admit its mistake and adopt a new strategy.

Israel is the one and only ruling power in historic Palestine since 1967, and this rule continued even after the Oslo Accords and the establishment of the PA. Israel weaved its way through the “peace process” by circumventing the first intifada by establishing the PA to get out of the racism stigma hook. Zionism was recognized as a form of racism and racial discrimination by the United Nations General Assembly Resolution 3379.[2] It did not take but forty-five days after the Madrid Peace Conference in 1991 for that resolution to be nullified by Resolution 46/86 of 1991.[3] However, after only a few years of the Oslo Accords, Israel's intentions started to unfold. Israel won the very best 25 years in its history. On all levels, Israel distracted and deluded Palestinians with a never-ending peace process; meanwhile it enforced its control and power over all aspects Palestinian daily life. Buying time, Israel went on extending its control over more land and resources and imposing a new fait accompli. From the perspectives of many Israelis, some international actors, and even few Palestinians, whoever calls for changing the new status quo is disconnected from reality.

Israel succeeded in exploiting the Palestine Liberation Organization's (PLO) weakness and its leadership's eagerness to remain relevant - not to mention the collapse of its allies and the exhaustion of its financial resources. Israel used this state of affairs to impose on the PLO a poor agreement through the Oslo Accords. Striking two birds with one stone, Israel got rid of the racism stigma, which the first intifada revealed, while creating the PA to manage the affairs of the Palestinians on its behalf. From day one, the PA leadership began to act toward its people and allies as if it were an independent state, promoting itself as the nucleus of the desired Palestinian state. This made it difficult for it to consider going back to the pre “state” status. After the Camp David summit in 2000, the Palestinian leadership realized that it could not sell false hope to its people. Instead of turning the tables on the occupation, by taking a step back and returning the situation to what it was before Oslo, by dissolving the PA, the PA leadership showed an unwillingness to give up its formal and individual gains.

Ironically, two decades after the end of the transition period (1999) and the failure of the Camp David summit and as the strategy of internationalization and isolation of Israel fails, the dissolution of the PA remains the only option to try to save what can be saved. The proof for this can be clearly seen in the constant threats and warnings by the PA leadership, repeated many times during the past decade, to dissolve the PA and ‘hand over the keys’ to the occupation. This also applies to the Palestinian leadership’s decision to terminate the agreements signed with Israel last July in response to the demolition of Palestinian homes, some of which were located in area ‘A’ such as Wadi al-Hums in the town of Sur Baher, in Jerusalem. Like other decisions, the new one lacks credibility and remains unimplemented.

 

Dissolve the PA; do not wait for its collapse

What is sad and hard to believe today is that Israel’s bet is still valid to the point that the Palestinian leadership is ready to risk holding on to authority until it collapses instead of dissolving it. The collapse is imminent and can happen at any moment either due to economic reasons, the failure of the PA to carry out the tasks assigned to it, or due to internal conflict over power. The risks of this conflict are exacerbated by the dissolution of the Palestinian Legislative Council (PLC). The Basic Law indicates that if the office of the President of the PA becomes vacant, the Speaker of the PLC shall temporarily assume the powers and duties of the Presidency and prepare for free presidential elections within two months, just as happened after the death of President Yasser Arafat.

The difference between waiting for the PA collapse and initiating its dissolution is strategic and fateful. In the PA’s dissolution scenario, the leadership and the people will unite under the umbrella of the PLO. It would be highly recommended if parallel to the dissolution, changes and reforms in the PLO decision-making were made allowing for an inclusive representation.  Such reforms would help to stop the massive drain on the PLO’s role as the sole legitimate representative of the Palestinians. Today, only 54%[4] of Palestinians in the West Bank and the Gaza Strip, compared to 69% 13 years ago, believe that the PLO is that kind of a representative. In parallel, the leadership should give wide powers to municipalities and local councils and form popular committees in the neighborhoods and villages to support municipalities and local councils in maintaining internal security and lead the popular resistance. It should also take the initiative to collect the arms of the security services and hand them over to a third party, such as the United Nations, in order to achieve three goals: (1) avoid Israel's attempt to drag the Palestinians into a situation similar to that of the second Intifada; (2) serve the strategy of a one-state solution which is based on peaceful popular resistance; and (3) attract more Israeli Jews to join the Palestinians in their struggle to end the racist de facto reality.

In the scenario of PA collapse, and its potential consequences, from anarchy, security chaos, and armed conflict, Israel would be in control to the point where it might exploit this situation by committing a second Nakba  against the Palestinian people in the West Bank. Israel, as a state, may not even be a major participant in the new Nakba. Instead, it might leave the matter to settlers whose attacks have increased in recent years and their numbers reached more than 600,000[5]  in the West Bank. Settlers do not lack the weapons to commit a new Nakba under the pretext of self-defense in an atmosphere of chaos and insecurity that is likely to arise after the collapse of the PA.

Therefore, dissolving the PA should be adopted as a policy that aims to avoid the unprecedented risks to the Palestinian cause. We can add to such risks the "Deal of the Century," a plan currently being imposed and implemented. The PLO leadership, without any hesitation or delay, should immediately dissolve the PA, an institution that has lost the justification for its existence. Another reason to dissolve the PA is that fact that its existence is the most crucial reason for the internal division. Furthermore, PA existence exempts Israel from shouldering the responsibility of the occupier. Indeed, the Israeli economy profits from more than 70%[6] of the total international aid for Palestinians. Also, by dissolving the PA, it is certain that the Palestinian leadership would regain a significant part of the people’s trust (regaining trust is a central element for the adoption and the success of the post-dissolution strategy and action plan), which is now virtually non-existent. Approximately half of the Palestinians in the West Bank and the Gaza Strip considers the PA a burden and supports its dissolution[7] although it is the largest employer, the main service provider for the public, and despite the fear of the unknown in the absence of a post-dissolution strategy. If, after embarking on a new and realistic post-dissolution strategy, we ask the Palestinians what they think of PA dissolution, the support will undoubtedly be much higher. Indeed, only those with vested interests -- interests that are incompatible with the collective national interest -- would remain opposed to its dissolution.

It is difficult to assess the likely reaction of Hamas (which controls the Gaza Strip) to the decision of dissolving the PA, but it will be difficult for it to stand against a popular consensus on a new and realistic national strategy that ensures the rights of the Palestinians.

 

A post-dissolution strategy: a one-state solution 

The policy of wait-and-see, currently pursued by the Palestinian leadership, awaiting the results of the American or Israeli elections, or anticipating a change in the policy from the European Union and its member states, one that would exert pressure on Israel, has failed miserably. Palestinians paid and are paying a heavy price for it. The "Deal of the Century" certainly cannot be countered and foiled by waiting or simply saying "no" while it is being implemented on the ground. It is time to rely solely on ourselves to impose what we want within a national plan, and to invest in Arab and international positions as much as possible, but as enablers rather than essentials or doers.

A national, realistic, ethical, and popularly supported Palestinian plan is the only way to thwart “the Deal of the Century” and similar designs. This Palestinian plan must embrace a one democratic state solution in historic Palestine that guarantees:

  1. full equality for all its citizens;
  2.  the right of return for refugees;
  3. no group dominates the other;
  4. the development of short and medium-term programs that seek to bridge the gap among the citizens in all spheres, especially the economic, on the basis of equal opportunity and positive discrimination towards the poor; the security sector must seek to integrate all, at all ranks and levels; and,
  5. that the one democratic state should pursue a foreign policy based on neutrality, i.e., that it will not engage in any international or regional alignment out of respect for the religious and historical significance of this land to a huge portion of humanity and in order to benefit from its promising tourism and commercial future. 

The two-state solution is the official program for the PLO. Yet, despite the mobilizational efforts sought by the organization to promote this solution, the percentage of those supporting a two-state settlement between Palestinians and Israelis today is the lowest in more than two decades and does not constitute a majority on either side. On the other hand, although there is not a single Palestinian political party that embraces and promotes the option of a one-state solution, and despite Palestinian public perception of weakness and the inability of their leadership to compel the Israelis to accept a one-state solution,  31%[8] of the Palestinians support the abandonment of the two-state solution and the embrace a one-state solution. Indeed, the support for a one-state solution rises to 39% among those who reach the conclusion that the two-state solution is no longer feasible.[9] 

The tools for achieving this strategy should be based on broad, peaceful, popular resistance. Most Palestinians support this form of resistance (63%)[10], but when asked why citizens are scarcely involved in the popular resistance, the largest percentage (39%)[11] say that it is due to the lack of public confidence in the leadership. As mentioned earlier, public confidence can only be restored by a bold decision, such as the decision to dissolve the PA. This will make the public an active participant in the non-violent resistance.  We already have two clear examples of this. First, in the summer of 2017, Palestinians protested against the Israeli attempt to install electronic gates at the entrances to Al Aqsa Mosque in the Old City thereby providing an example of a broad and successful popular resistance in a place that lacked PA presence.

The second example is the massive public participation in the Great March of Return that has been ongoing since March 2018 on the Gaza Strip borders with Israel.  Here too there is no PA presence. Imagine similar marches in the West Bank and Jerusalem. Or imagine the participation of the Palestinian citizens of Israel, from the 1948 areas, who are thirsty for an inclusive leadership for all Palestinians. These Palestinian citizens of Israel still suffer from the perception of abandonment resulting from the signing of the Oslo agreement by the PLO. This is particularly relevant today as the perception of being an oppressed minority has intensified since the recent Israeli adoption of the Nation State law. A great march in all parts of historic Palestine, exposing Israel’s discriminatory policies and demanding the restoration of the United Nations General Assembly resolution 3379 of 1975, which equated Zionism with racism, would also provide a momentum to the BDS movement (the Boycott, Divestment and Sanctions Movement targeting Israel). It will be difficult for those governments that seek to crack down on the movement to continue to do so for the fear of being accused of defending a one-state reality characterized by open discrimination, one that has been exposed to all. 

Israel, as a small state, has a limited ability to confront and withstand the emerging new situation characterized by mass popular demonstrations, accusations of fostering a racist one-state reality, and calls for its boycott. This will force it to respond to the demands of the Palestinians in a record time, in order to avoid immediate repercussions on its image and on its economy, a modern and fast-growing economy that is unable to withstand major tremors and disruptions. This development would also have immediate repercussions on its tourism sector, which breaks consecutive records, most recently in 2018, where the number of tourists reached more than4  million with revenues reaching 24 billion NIS ($6.3 billion)[12]

 

Position of the Israelis

Although 54%[13] of  Israeli Jews describe the situation in Israel as good or very good, 30% as average, and only 16% as bad or very bad, more than 20%[14] of them said in 2018 that they support the one-state option in which the rights of all citizens are equal. The claim that it is impossible for Israeli Jews to accept a one-state option cannot be credibly tested without putting Israel in a position where it is obliged, according to the aforementioned strategy, to choose between the two-state solution and the one-state solution. In addition, there are about two million Palestinians who are Israeli citizens or residents, forming 20% of the total population of Israel and more than two-thirds[15] of them support the one-state solution. The above-mentioned figures are positive indicators of the willingness of some Israelis to accept the Palestinian demands, if presented within the aforementioned strategy. It should be pointed out that these Israelis are probably confident that a one democratic state will guarantee their rights in the future regardless of their numbers. The attempts by some to intimidate them by raising the demographic factor are obviously ineffective.  It should also be pointed out that there are some Israeli Jews who actually vote for Arab parties and that more than 30%[16]of the Palestinian citizens of Israel have in fact voted in April 2019 for Jewish parties.

Moreover, there are several initiatives that have been put forward by Israelis that fit within the framework of the one-state solution, such as the confederal initiatives: “Two States-One Homeland,” and the “Confederation” initiative. However, these are initiatives that do not live up to the rights and aspirations of all the Palestinians, but they are certainly better than the status quo and the two-state solution at its best. In addition, about a year ago, a group of Palestinian citizens of Israel, jointly with Israeli Jews, established an initiative called “One Democratic State Campaign” that calls for establishing “One Democratic State in historic Palestine that guarantees equality between all its citizens, the right of return, and the dismantling of the existing Zionist colonial regime.” This group aims to hold a conference to announce itself and its political agenda this year.

 

The position of the international community

As mentioned earlier, it is time to rely on ourselves, to impose what we want. Other factors such as the Arab and Islamic role, and that of the international community, provide an enabling environment and nothing more. The national community, led by the European Union, the biggest supporter of the two-state solution, has, especially in the last ten years, become interested in managing the conflict and prolonging the status quo for as long as possible.  This can be seen in the fact that it has refrained from putting any pressure on Israel. At the same time, it has provided support for the authoritarian PA; all at the expense of the suffering of the Palestinian people. Yet, in its speech in front of the European Parliament on 16 April 2019, Federica Mogherini, the High Representative of the EU for Foreign Affairs and Security Policy, and the primary supporter of the two-state solution, said: “In fact, the two-state solution is not only fading, it is actually being dismantled piece by piece."

Many European politicians and diplomats recognize the demise of the two-state solution. But they find it hard to say so publicly given that fact that the Palestinian side continues to hold on to it and because of their multi-billion dollar investment in this solution from the pockets of European taxpayers. Therefore, they prefer that the declaration of its demise comes directly from the parties concerned. The Trump Administration, the main sponsor of the peace process, has at the first joint press conference between the US president and Netanyahu at the White House, indicated that it would support any solution that the two sides prefer, whether the two-state solution or the one-state solution. This means that the international community, which has done nothing to save the two-state solution, might not oppose a one-state solution. Indeed, the dissolution of the PA and the exposure of the one-state reality as nothing short of a system of discrimination, might put them in an unescapable position in which they have no choice but to support a democratic state that is equal to all its citizens.

 

[7] See PSR poll of September 2015:  http://www.pcpsr.org/en/node/621. The most recent PSR poll, conducted in June 2019 shows that 48% of the Palestinians continue to view the PA as a burden, but support for its dissolution has dropped to 38%: http://pcpsr.org/en/node/761

English

 

 

 

لتغيير الوضع الراهن يواجه قطاع غزة أربعة بدائل: الدخول في مصالحة توحيدية تعيده لسيطرة السلطة الفلسطينية، الدخول في اتفاق بعيد المدى مع إسرائيل لتخفيف الحصار وتمكين حركة حماس من إحكام سيطرتها عليه، الذهاب لحرب مع إسرائيل، أو فرض السلطة الفلسطينية لعقوبات جديدة على حماس والقطاع. بالنظر للتطورات منذ الانقسام في عام 2007 فإن فرص المصالحة هي الأضعف، فيما تبدو فرص الاتفاق بعيد المدى مع إسرائيل متوسطة، وتبدو فرص الحرب أو العقوبات الإضافية هي الأعلى. 

إن حرباً رابعة بين إسرائيل وغزة أو فرض عقوبات على القطاع لن تتمكن على الأرجح من تغيير الأوضاع الراهنة بشكل جوهري، لكنها قد تؤجل ساعة الحسم أو قد تدفع نحو البديل الثاني، أي اتفاق بعيد المدى مع إسرائيل. لكن اتفاقاً بعيد المدى مع إسرائيل سيعني على الأرجح شرخاً بعيد المدى داخل الحركة الوطنية الفلسطينية وانفصالاً دائما أو شبه دائم للقطاع عن الضفة الغربية، وسيتخلل ذلك فرض عقوبات إدارية ومالية على القطاع من قبل السلطة الفلسطينية مما سيزيد من قسوة الشرخ الداخلي، وسيتبع ذلك على الأرجح تهديد واسع لمستقبل الحياة الديمقراطية في كل من الضفة والقطاع.

يبدو منطقياً أن إدراك هذه الحقيقة وحدها، بدون الإشارة للتهديدات المصيرية الأخرى التي تواجه الطرفين، كفيل بدفع حماس وفتح للبحث عن طرق لإعطاء المصالحة فرصة جديدة. لكن ذلك لا يحدث. لماذا؟ تتناول هذه الورقة تحليلاً لمواقف الطرفين، ومواقف أطراف أخرى، وللثمن المطلوب من كل منهما دفعه لإنجاح هذه الفرصة، ولماذا لا يقبل أي من الطرفين دفع ذلك الثمن.

(1) مستقبل قطاع غزة: الوضع الراهن وبدائله

يواجه قطاع غزة مستقبلاً محفوفاً بالمخاطر، ذلك لأن أوضاعه السياسية والاقتصادية الراهنة لا تترك مجالاً للتفاؤل. لا يقبل أحد شرعية حكم حركة حماس للقطاع رغم أن جيران القطاع يتعاملون مع حماس كسلطة أمر واقع، وكذلك تفعل السلطة الفلسطينية وقطر والأمم المتحدة وأطراف دولية أخرى. في الوقت ذاته لا يختلف اثنان على أن أوضاع القطاع المعيشية تسير باطراد نحو الأسوأ.  قبل أقل من سنة أشار تقرير من الأمم المتحدة، صادر عن منظمة الأونكتاد، أنه مع حلول عام 2020 قد يصبح القطاع غير صالح للحياة البشرية، وكان في ذلك تأكيدا لما كان قد صدر عن المنظمة الدولية ذاتها في عام 2012. تفرض إسرائيل منذ عام 2006 حصاراً برياً وبحرياً وجوياً على قطاع غزة، وقد تعزز هذا الحصار بعد سيطرة حماس عليه في 2007. بعد ثلاثة حروب بين حماس وإسرائيل منذ عام 2008 فإن نسبة البطالة تزيد عن 50%، وترتفع لأكثر من 60% بين الشباب، ويعتمد أكثر من 80% من السكان على نوع أو آخر من المعونة الاجتماعية. كما تعاني كافة القطاعات الاقتصادية، إضافة للصحة والتعليم والطاقة والغذاء والمياه من أزمات عميقة وبنية تحتية مهددة. في آذار (مارس) الماضي انطلقت مظاهرات شعبية ضد حكم حماس احتجاجاً على الأوضاع المعيشية القاسية قابلتها أجهزة سلطة حماس الأمنية باستخدام واسع للقوة. لكل ذلك ليس مستغربا أن حوالي نصف سكان القطاع يريدون الهجرة منه بحثا عن البقاء والحياة الأفضل.[1] تطرح الأطراف الفلسطينية والإقليمية أفكاراً مختلفة حول كيفية انتشال قطاع غزة من المأزق الذي يوجد فيه.

 

أ) المصالحة بين فتح وحماس: اتضحت خلال السنتين الماضيتين سياسة فتح وحماس تجاه المأزق في غزة. تتشكل سياسة الرئيس عباس تجاه قطاع غزة من أضلاع ثلاث: (1) العمل على استعادة سيطرة السلطة الفلسطينية الكاملة على قطاع غزة، (2) استخدام العقوبات والضغط السياسي كوسيلة لإجبار حماس على تسليم السيطرة لحكومته، وبانتظار رضوخ حماس، (3) العمل على منعها من اكتساب الشرعية أو القدرة على تحويل القطاع لدويلة تحت سيطرتها. تواجه حماس هذه السياسة بموقف يمزج بين المرونة والصلابة بهدف تحقيق أهداف ثلاث: 1) العمل على التخلص من العبء المالي والسياسي للحكم في قطاع غزة بشكل يسمح لها بالعودة للشرعية، داخل إطار السلطة الفلسطينية، 2) ضمان استمرار سيطرتها العسكرية على القطاع بشكل يحمي وجودها ويعطيها الكلمة الأخيرة في شؤون القطاع، 3) الاستخدام السياسي لقدراتها العسكرية لتعزيز شرعيتها الداخلية كرمز للمقاومة ولتحقيق مكاسب للقطاع تعجر السلطة الفلسطينية عن تحقيقها بالنهج الدبلوماسي.

 بعبارة أخرى، تقول السلطة الفلسطينية (التي تنفق حوالي 100 مليون دولار شهرياً في قطاع غزة) أن مصالحة تسمح لها بالسيطرة الكاملة على القطاع هي الحل الوحيد الممكن وتستند في ذلك لاتفاق المصالحة الموقع في تشرين أول (أكتوبر) 2017 برعاية مصرية. لم يعط الاتفاق للسلطة الفلسطينية سيطرة أمنية كاملة على القطاع، بل لم يتطرق للموضوع.  لكن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أوضح في حينه أن نجاح المصالحة مرهونا باستعداد حركة حماس، وغيرها من القوى المسلحة في قطاع غزة، للقبول بنزع سلاحها، وأصر على ضرورة "تمكين الحكومة،" وأن ذلك يعني "سلطة واحدة، وقانوناً واحداً، وإدارة واحدة، وسلاحاً واحداً، وبكل تأكيد ببرنامج سياسي يستند لبرنامج منظمة التحرير الفلسطينية."[2]

في المقابل، تبدي قيادة حماس الجديدة في قطاع غزة، ممثلة في يحيى السنوار، مرونة واسعة في استعدادها لتسليم شبه كامل للسلطة المدنية لقيادة الرئيس عباس وحكومته، حيث كانت تلك المرونة هي التي سمحت بتوقيع اتفاق 2017. لكن حركة حماس ترفض تفسير الرئيس عباس لاتفاق 2017 وتعلن بكل وضوح أن سلاحها هو "سلاح مقاومة" لا يقل، إن لم يزد، عن شرعية السلطة ذاتها. أوضح بعض قادة حماس رفضهم حتى لمناقشة هذه المسألة وأكدوا إن " سلاح المقاومة" خط أحمر، حيث قال السنوار أن "لا أحد في الكون يستطيع نزع سلاحنا، بل سنواصل من امتلاك القوة لحماية شعبنا."[3] بالرغم من أن بقية الأطراف ذات العلاقة، مثل مصر وقطر والأمم المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وغيرها، تقدر موقف السلطة الفلسطينية هذا وترحب به، إلا أنها، كافة، تتوقع استحالة تنفيذه في الوضع الراهن، وتقبل بدلا من ذلك بعودة تدريجية للسلطة لقطاع غزة، حتى لو لم يتم نزع سلاح حماس على المدى القصير.

ب) اتفاق طويل الأمد بين حماس وإسرائيل: في غياب المصالحة تجد حماس نفسها تبحث عن بدائل لتحسين الوضع المعيشي للسكان وتعزيز حكمها على القطاع. أهم هذه البدائل هو التوصل لهدنة أو اتفاق طويل الأمد مع إسرائيل يسمح بتخفيف الحصار على القطاع ويعطي حماس القدرة المالية على توفير الخدمات من خلال المساعدات الخارجية، كتلك التي توفرها قطر، أو من خلال فرض جمارك مباشرة على البضائع التي تدخل القطاع.  يجد هذا الحل تأييداً من أطراف يمينية إسرائيلية ترى فيه آلية لاستدامة الانقسام الفلسطيني الداخلي والقضاء على فرصة قيام دولة فلسطينية.[4] وكان هذا الموضوع قد طرح بجدية لأول مرة في منتصف عام 2018 بعد توصل معظم الأطراف ذات العلاقة للقناعة بأن المصالحة ليست حلاً واقعياً لأزمة القطاع على المدى القصير. لا يتطلب هذا الحل نزع سلاح حماس لكنه يسعى لإحداث تغيير ذي مغزى على الأوضاع المعيشية والاقتصادية للقطاع، وعلى حرية الحركة للأفراد وعلى دخول مواد "ممنوعة،" كالأسمنت، وفتح المعابر. كذلك يهدف هذا الحل لإيجاد حلول دائمة لمشاكل الكهرباء والماء وإيجاد بدائل لميناء ومطار غزة. كما تسعى حماس لإقناع مصر بفتح معبر رفح بشكل دائم امام الأفراد والبضائع في الاتجاهين بحيث يتمكن القطاع من الاستيراد والتصدير عن طريق مصر، وليس عن طريق إسرائيل فقط، مما يعطي حماس القدرة المباشرة على فرض الجمارك وبالتالي إدارة القطاع وتقديم الخدمات بنجاعة. لكي ينجح هذا الحل سيكون على حماس ليس فقط التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار بل أيضاً لإيجاد حل لقضية الأسرى الإسرائيليين التي تحتجزهم حماس، والتوقف عن بناء أنفاق هجومية جديدة تمتد لداخل إسرائيل، وإيقاف للنشاطات الحدودية المتعلقة بمسيرات العودة والبالونات الحارقة وغيرها. يضمن هذا الاتفاق لإسرائيل هدوءً على حدودها مع القطاع ويسمح لها بالتفرغ لإيران وللتعامل بفعالية مع المبادرات الأمريكية الإقليمية، أو "صفقة القرن"، بما في ذلك التحضير لضم مناطق استيطانية في الضفة الغربية[5].

إن اتفاقاً كهذا أمر ممكن فقط في حالة توصل حماس وإسرائيل وأطراف أخرى، مثل مصر وقطر، للقناعة بأن السلطة الفلسطينية لم تعد راغبة في بسط سيطرتها على القطاع بوضعها شروط تعجيزية للمصالحة. يتعزز هذا الاحتمال في حالة قيام السلطة بفرض المزيد من العقوبات على القطاع على أمل أن يؤدي ذلك لإجبار حماس على الخضوع لطلباتها. لكن هذا الاتفاق لن ينجح على الأرجح في حالة أرادت حماس أن تستمر في مواجهة إسرائيل في الضفة الغربية أو وضعت اشتراطات على سلوك إسرائيل في الضفة الغربية مقابل التزام الحركة الإسلامية بشروط هدنة أو اتفاق طويل الأمد.

ستعارض السلطة الفلسطينية اتفاقاً كهذا لأنه يعامل حماس كبديل عن منظمة التحرير في العلاقة مع إسرائيل، ويحدث تغييراً في جوهر الاتفاقات القائمة مع إسرائيل، بالإضافة لتعزيز سيطرة حماس على القطاع، مما يهدد بتحويل الانقسام إلى انفصال دائم. قد تلجأ السلطة بالتالي لاتخاذ خطوات عقابية ضد حماس وضد إسرائيل، بما في ذلك تخفيض تدريجي لحجم الأموال التي تقوم بتحويلها للقطاع أو المشاريع التي تقوم بها أو تسمح للمانحين القيام بها في قطاع غزة، وقد تلجأ السلطة الفلسطينية لاتخاذ خطوات سياسية حاسمة أكثر ضد حركة حماس في قطاع غزة (وفي الضفة الغربية) بهدف نزع شرعيتها. وكانت السلطة الفلسطينية قد بدأت باتخاذ إجراءات عقابية ضد قطاع غزة في آذار (مارس) 2017. وبالنسبة لإسرائيل قد تلجاً السلطة للإعراب عن غضبها من خلال تقليص مجالات التعاون والتنسيق معها وخاصة في الجانب الأمني.

ج) الحل العسكري: لا تملك حماس حلاً عسكرياً فعالا لأزمة القطاع. أما بالنسبة لإسرائيل فالوضع مختلف حيث أن هناك (مثل وزير الدفاع السابق أفيغدور ليبرمان وعضو الكنيست من الليكود آفي ديختر) من يدعو لعملية عسكرية حاسمة طويلة الأمد، وليس لهدنة طويلة الأمد. يعتقد هؤلاء أن لدى إسرائيل خياراً عسكرياً يتمثل في تدمير البنية التحتية لحماس وغيرها من الكتائب المسلحة واحتلال القطاع لفترة ليست بالضرورة قصيرة يتم فيها تحضير الأرضية لعودة السلطة الفلسطينية (إن هي شاءت ذلك) أو إيجاد ترتيبات سياسية بديلة بحيث لا يعود القطاع ليشكل تهديداً لإسرائيل.

لا تجد إسرائيل شريكاً فلسطينياً أو عربياً أو دولياً لعمل كهذا. كما أن الجيش الإسرائيلي يقدر على ما يبدو أن التكلفة لعمل عسكري طويل الأمد ضد القطاع تفوق المكاسب المحتملة، وأن سيطرة كاملة على القطاع قد تتطلب تواجداً عسكرياً إسرائيلياً لسنوات وليس لأشهر، وأن القضاء على حماس سيعني عند الانسحاب من القطاع ترك حالة من الفوضى والعدم مما سيحوله من جديد لدفيئة لأكثر المجموعات تطرفاً. كما أن هذه الخطوة تلاقي معارضة من أطراف إسرائيلية يمينية تفضل بدلاً منها التوصل لاتفاق طويل الأمد مع حماس بهدف تعزيز مكانتها ودورها كقوة سياسية منافسة للسلطة الفلسطينية، كما ذكرنا سابقاً.

د) ضغط مالي وإداري فلسطيني: في غياب قبول من حماس بشروط السلطة الفلسطينية، قد تجد هذه السلطة نفسها تضع المزيد من الضغوط على حماس من خلال فرض عقوبات جديدة على قطاع غزة بهدف إجبار حماس على الرضوخ. قد تأخذ هذه العقوبات نفس الأشكال السابقة، وقد تتجاوزها لتشمل جوانب جديدة يتم فيها تقليص الجزء الأعظم من الأموال التي تنفق اليوم على القطاع وإيقاف العديد من الخدمات الاجتماعية والاتصالات وغيرها. كما قد تشمل سحب للشرعية من حركة حماس في الضفة الغربية وإجراء انتخابات تشريعية تقتصر على الضفة.

ستجد هذه الخطوات معارضة شديدة من إسرائيل ومصر وقطر والأمم المتحدة لتخوف هؤلاء من تبعات ذلك على الأوضاع الإنسانية في القطاع وعلى فرص وقوع حرب جديدة بين حماس وإسرائيل. كما ستلاقي هذه الخطوة معارضة شديدة من الغالبية العظمى من الجمهور الفلسطيني. تشير نتائج استطلاعات الرأي الراهنة إلى أن أكثر من 80% من الجمهور الفلسطيني تطالب السلطة الفلسطينية برفع العقوبات عن قطاع غزة.[6]

(2) لماذا تمنع فتح وحماس إعادة توحيد الضفة والقطاع؟

ليس هناك غموض في تحديد المسؤول عن استمرار الانقسام، فالطرفان، فتح وحماس، مسؤولان بنفس القدر. بوضعهما شروطا مسبقة، يضع الطرفان مصلحتيهما الحزبية فوق المصلحة العامة المتمثلة في تحقيق الوحدة الوطنية. فحماس ترفض التخلي عن "سلاح المقاومة" وترفض فتح التخلي عن "وحدة السلاح". وفي الحقيقة، فإن "سلاح المقاومة" هو في الواقع بنية تحتية وقوات مسلحة تعطي لحماس القوة والحصانة وتسمح لها بالسيطرة الفعلية على قطاع غزة وبناء دور إقليمي. وبشكل مماثل، فإن "وحدة السلاح" تعطي فتح السيطرة الحصرية على قطاع الأمن الرسمي التابع للسلطة، ومعظم أفراده من حركة فتح، وهو بالتالي يعطيها هيمنة سهلة على النظام السياسي الفلسطيني.

صحيح أن قدرات حماس العسكرية تلعب دوراً محورياً في مقاومة أي هجمات من إسرائيل على القطاع، ولكن هذا لا ينفي أن دور هذه القدرات الأكبر يتمثل في تعزيز قوة هذه الحركة السياسية وأنها قد استخدمت هذه القدرة فعلاً لأغراض "الحسم العسكري" الداخلي في عام 2007 عندما استخدمت كتائب القسام ضد فتح وضد القوات الموالية للرئيس المنتخب مما أدى للانقسام. كذلك، صحيح أن السلطة الفلسطينية بحاجة ماسة لاحتكار القوة المسلحة لتتمكن من فرض النظام والقانون وحماية الأمن الداخلي وتقديم الخدمات للجمهور الفلسطيني وتمكين القطاع الخاص. لكن هذا لا ينفي أن "وحدة السلاح" تعني أيضاً ضمان سيطرة حزب سياسي، خسر الانتخابات البرلمانية، على النظام السياسي رغم أن ذلك ليس من حقه الا بعد أن يفوز في انتخابات تشريعية ورئاسية جديدة.

أضف لذلك أنه ليس من الواضح تماماً دور قدرات حماس العسكرية في القطاع في حماية القطاع. فإسرائيل انسحبت بشكل أحادي منه في عام 2005 ولا تبدي اهتماماً بالعودة للسيطرة عليه نظراً للتكلفة الاقتصادية والديمغرافية السياسية التي ستدفعها. وبالنسبة لحركة فتح و"وحدة السلاح،" فإن من الواضح أن وجود الجيش الإسرائيلي اليومي في مناطق السلطة الفلسطينية لا يمنعها من أداء وظيفتها في مناطق سيطرتها، حتى لو كان ذلك بصعوبة.

 

(3) الجمهور الفلسطيني المتفرج:

نعم، يقف الجمهور الفلسطيني بمعظم فئاته متفرجاً على اللعبة السياسية الخاسرة التي تلعبها حماس وفتح، أي أنه ينتظر ممن له مصلحة في استمرار الانقسام أن يعمل بصدق وتجرد على إنهائه. لكن هذا لا يعني أن الجمهور لم يعط رأيه في مواقف الطرفين. تشير استطلاعات الرأي بوضوح إلى أن الأغلبية تعارض من حيث المبدأ وجود شروط مسبقة للمصالحة مثل تلك التي تضعها كل من فتح وحماس، وفي الوقت ذاته تؤكد الغالبية العظمى من الجمهور (78%) أنها تريد جهاز أمن رسمي موحد يخضع للسلطة وحكومتها الرسمية، لكنه لا يرى في ذلك تناقضاً مع بقاء الكتائب المسلحة في القطاع بدون نزع سلاحها. رداً على موقف الرئيس عباس المنادي ب “سلاح واحد" قالت نسبة من 72% أنها تؤيد استمرار وجود المجموعات المسلحة بعد إعادة توحيد الضفة والقطاع.[7] بعبارة أخرى، يرفض الجمهور موقف فتح ويؤيد موقف حماس رغم أنها الحركة التي بادرت للانقسام واستخدمت سلاحها لتحقيقه. لماذا يفعل الجمهور ذلك؟

من الواضح أن الجمهور الفلسطيني يؤيد بقوة ضرورة وجود سلطة واحدة في الضفة والقطاع وأن يكون لهذه السلطة احتكار للسلاح لأغراض فرض النظام والقانون وحفظ الأمن الداخلي. لكن الجمهور، الذي يعطي بأغلبيته العظمى الأولوية للوحدة الوطنية، يدرك استحالة نزع سلاح حماس بدون حرب أهلية. ولهذا فهو مستعد لغض النظر عنه، على الأقل مؤقتاً وحتى يتم استعادة الوحدة وخلق نظام سياسي جديد منتخب وشرعي. وفوق كل ذلك، فإن جزءاً كبيراً من الجمهور، حتى ولم يشكل الأغلبية، يعتقد أن إنهاء الاحتلال لن يتم إلا من خلال استخدام القوة المسلحة وأن استمرار وجود المجموعات المسلحة في القطاع، رغم مخاطره على السلم الأهلي وفاعلية السلطة، يبقى ضرورة وطنية ذات أولوية على "وحدة السلاح".

(4) ثمن الوحدة:

إن المستفيدين الفلسطينيين الرئيسيين من وضع الانقسام الراهن، أولاً وقبل أي طرف آخر، هما فتح وحماس، وهما اللتان تضحيان بالمصلحة العامة من أجل الحفاظ على مصلحتيهما الحزبية الخاصة. إن قيامهما بذلك فيه إسهام، بوعي أو بدون وعي، في إضعاف الطرف الفلسطيني في لحظة مهمة من تاريخه فقد فيها معظم حلفائه العرب وأصبح ضحية صراع إقليمي مهدد لمصلحته. إن القبول بوضع يتم فيه تحييد مليوني فلسطيني عن المشاركة في تنمية اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية ويتم فيه خلق نظامين سياسيين سلطويين خاليين من المساءلة والمحاسبة هو عمل غير مسؤول وتسليم بزمام المستقبل الفلسطيني لأيدي الآخرين. يدفع الكل الفلسطيني ثمن ذلك، إذ من المستبعد أن يكون ممكنا استعادة زمام المبادرة إلا باستعادة الوحدة.

لكن لن يكون ممكناً استعادة الوحدة بين الضفة والقطاع إلا تدريجياً. ولن يكون ممكناً فرض "وحدة السلاح" إلا بشرعية انتخابية أقوى من شرعية "سلاح المقاومة." إن الثمن المطلوب دفعه من حركة فتح لتحقيق الوحدة هو تأجيل المطالبة بوحدة السلاح إلى ما بعد الانتخابات، والثمن المطلوب دفعة من حركة حماس هو الالتزام بقرار الناخب وقرار الحكومة المنتخبة أياً كان. إن تقديس "سلاح المقاومة" والتضحية بالوحدة الوطنية من أجله هو عمل أناني يخدم حركة سياسية على حساب الكل الفلسطيني، وكذلك الحال بالنسبة لتقديس "وحدة السلاح." يمكن لكلا الطرفين استخدام الحملة الانتخابية لعرض موقفيهما أمام لجمهور والقبول بحكمه. إن أي حل آخر يفرضه فريق على آخر لن يكتب له النجاح.

 

 

[1] بلغت نسبة الرغبة في الهجرة بين سكان قطاع غزة في آذار (مارس) الماضي 43% مقابل 20% في الضفة الغربية، وكانت النسبة في القطاع قد بلغت 48% في كانون أول (ديسمبر) 2018، وذلك حسب استطلاعات المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية. أنظر:  http://pcpsr.org/ar/node/753 وانظر أيضا: http://pcpsr.org/ar/node/741

[2] جاء في ذلك في حديث الرئيس عباس أمام المجلس الثوري لحركة فتح في تشرين أول (أكتوبر 2017). أنظر: https://alqabas.com/444569/

 وكان الرئيس عباس قد صرح قبل ذلك في حديث مع قناة سي بي سي المصرية أنه "لو شخص من فتح في الضفة حامل سلاح غير السلاح الشرعي، أنا أعتقله، وهذا ما سأعمل عليه في غزة. يجب أن يكون هناك سلاح شرعي واحد..... لن استنسخ تجربة حزب الله في لبنان" أنظر: https://www.annahar.com/article/675427-عباس-يرفض-استنساخ-تجربة-حزب-الله-في-لبنان-سنتسلم-كل-شيء-في-غزة

وعاد الرئيس عباس بعد أقل من سنة لتأكيد موقفه هذا عندما قال أمام المجلس المركزي في 15 آب (أغسطس) 2018: "لا نريد ميليشيات في غزة، بل سلاح شرعي واحد، نريد سلاحاً واحداً في الضفة وغزة..." أنظر: https://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2018/08/15/1166660.html

 

[3] صدرت تصريحات متعددة من قادة حماس في نفس الشهر الذي تم فيه توقيع اتفاق 2017. جاء تصريح السنوار في 24/10/2017 حيث قال بان حماس قد "قدمت تنازلات" كبيرة من أجل المصالحة" لكن الحركة "لا يمكنها أن تستغني عن سلاحها،" وأضاف: "نحن كشعب ما زلنا بمرحلة تحرر وطني." أنظر: https://www.alwatanvoice.com/arabic/content/print/1092903.html

وأنظر أيضا: hadfnews.ps/post/34030/السنوار-لا-أحد-يمكنه-نزع-سلاح-المقاومة-ويدعو-عباس-لزيارة-غزة

وقال حسام بدران: "نرفض أي بحث يتناول مستقبل سلاح المقاومة، لا الآن ولا في المستقبل". أنظر: https://alqabas.com/444569/

أما زعيم حركة حماس إسماعيل هنية فأظهر بعض المرونة في حديث على قناة تلفزيونية مصر حيث قال: "مستعدون لوضع آلية واستراتيجية مع حركة فتح وباقي الفصائل الفلسطينية للاتفاق على كيف ندير سلاح وقرار المقاومة" أنظر: https://www.alhadath.ps/article/65739/هنية-مستعدون-لوضع-استراتيجية-مع-الفصائل-ل%d8

وأضاف هنية: " أما سلاح الأجهزة الامنية، فهو موحد يجب أن يخضع إلى سيطرة الدولة."

 

[4] اقترح يسرائيل كاتس، وزير الاستخبارات والمواصلات الإسرائيلي في حكومة نتنياهو في حزيران (يونيو) 2016 بناء جزيرة اصطناعية مقابل قطاع غزة توفر ميناء ومطاراً للقطاع بإشراف دولي وفلسطيني ويتم ربطها باليابسة عن طريق جسر بحري. تقترح الخطة أيضاً أن يتم إقامة محطة للطاقة وأخرى لتحلية المياه في الجزيرة تساهمان في حل مشاكل القطاع المتعلقة بالكهرباء والمياه. اعترض وزير الدفاع آنذاك، ليبرمان، على الخطة. مع ذلك، فإن الخطة عرضت على الحكومة الإسرائيلية للنقاش في اكثر من مناسبة بين الأعوام 2016-2018. وكانت فكرة إقامة جزيرة اصطناعية مقابل شواطئ قطاع غزة قد طرحت في عام 2000 من قبل فريق هولندي-إسرائيل مشترك. أنظر:

https://www.albawaba.com/news/israel-revisits-plan-build-artificial-islands-coast-gaza-1070762

https://www.washingtonpost.com/world/middle_east/israel-wants-someone-to-build-a-5-billion-island-off-gaza--for-a-seaport-hotels-airport/2016/06/20/e45ce6fc-7948-4a10-bef3-0f782b030739_story.html?noredirect=on&utm_term=.bc14fc04c461

 

[5] بعد اجتماع للكابنيت السياسي الأمني الإسرائيلي في 19 يونيو حزيران 2019 أشار وزير الطاقة يوفال شتاينتس إلى "إن هناك فرصا وافرة للتوصل إلى تسوية طويلة المدى مع الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة". وقال بأن "إن الاتفاق الطويل المدى مع غزة، سيتضمن الإفراج عن جثامين الجنود الأسرى." أنظر: https://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2019/06/20/1252753.html#ixzz5rVAPwxhw

[6] انظر استطلاع آذار (مارس) 2019 الذي جاء فيه أن 82% يطالبون برفع العقوبات: http://pcpsr.org/ar/node/753

 

[7] أنظر مثلاً استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في كانون أول (ديسمبر) 2018: http://pcpsr.org/ar/node/741

 

Arabic

Pages